تزامناً مع زيارة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى الجنوب بما في ذلك بلدة شبعا، يعود إلى الواجهة واحد من أخطر الملفات الصحية–السيادية التي طُمست على مدى سنوات: ملف مستشفى شبعا الحكومي.
نُعاود اليوم الإضاءة على هذا الملف، من باب التذكير أولاً، وأملاً في أن يعرّج عليه سلام في زيارته إلى شبعا، لأن معالجة جريمة بحجم ملف مستشفى شبعا قد تكون أبلغ من أي خطاب أو جولة أو حملة انتخابية.
في العام 2007، بعد حرب تموز، تقدّمت دولة الإمارات العربية المتحدة بهبة إلى وزارة الصحة اللبنانية لإنشاء مستشفى حكومي في بلدة شبعا، المنطقة الحدودية المحرومة، حيث يموت الناس أحياناً على الطريق قبل أن يصلوا إلى أقرب مستشفى. هبة إنسانية؟ نعم. لكن ما جرى بعدها لم يكن إنسانياً أبداً، بل كان جريمة دولة كاملة الأركان.
عندما وصل ملف الهبة، وفق التسلسل الإداري، إلى المدير العام لوزارة الصحة آنذاك وليد عمار، وهو من بلدة خلوات البياضة في قضاء حاصبيا، اقترح على وزير الصحة محمد جواد خليفة تحويل الهبة من مستشفى في شبعا إلى دار للعجزة في حاصبيا، بذريعة أن هناك مستشفى حكومياً في حاصبيا «يستفيد منه أهل شبعا والمنطقة».
الجهة المانحة رفضت هذا الاقتراح، فتم تحويل الملف إلى مجلس الوزراء، وصدر قرار بالموافقة على الهبة لبناء المستشفى وتجهيزه وتسليمه إلى وزارة الصحة بعد الانتهاء من بنائه. غير أنّ المرسوم لم يصدر، بسبب رفض رئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود توقيعه، من دون أن يُعرف حتى اليوم السبب الحقيقي لهذا الرفض.
ورغم عدم صدور مرسوم الموافقة على الهبة، جرى بناء المستشفى على أرض غير ممسوحة، هي أرض مشاع تعود ملكيتها للدولة اللبنانية، ومن دون استكمال الإجراءات القانونية اللازمة، ومن دون مناقصة، ومن دون أي شفافية بشأن قيمة الهبة أو كيفية صرفها أو الجهة التي نفّذت البناء رسمياً. ويُقال إن شركة «هايكون» العائدة لصاحبها عماد الخطيب تولّت التلزيم في عهد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة.
تم الانتهاء من بناء المستشفى وتجهيزه بأحدث المعدات الطبية في العام 2008، وسُلّم إلى وزارة الصحة. وفي العام 2012، صدر مرسوم عن مجلس الوزراء بضمه إلى ملاك وزارة الصحة، وتسميته «مستشفى الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان – شبعا»، وإنشاء مؤسسة عامة لإدارته وتحديد ملاكها وعدد أسرّتها. فأصبح رسمياً مستشفى حكومياً على الورق فقط، لأن الواقع كان مختلفاً تماماً. فماذا حصل بعد ذلك؟
بدأت الأحزاب والقوى السياسية تتقاسم المستشفى كأنه غنيمة. هذا يريدها له، ذاك يطالب بحصة، ثالث يقترح تسليمه لجامعة، ورابع يتصرّف به كأنه ملك خاص. وقيل يومها إن الرئيس فؤاد السنيورة كان بصدد تسليم المستشفى للجامعة الأميركية، متناسياً أنه ملك للدولة اللبنانية. وبقي المستشفى مقفلاً، رغم أنه كان مجهزاً بالكامل، ولا ينقصه سوى مرسوم بتعيين مجلس إدارة ومدير لإدارته وفق الأصول. غير أن وزراء الصحة المتعاقبين منذ ذلك الحين لم يحرّكوا ساكناً.
في العام 2016، وبعد اعتصامات الأهالي وارتفاع الصوت إعلامياً، ولا سيما إثر وفاة أحد شباب شبعا على الطريق قبل وصوله إلى أقرب مستشفى، تحرّك وزير الصحة آنذاك وائل أبو فاعور. لكن بدل أن يطلب من مجلس الوزراء تعيين إدارة نظامية للمستشفى كما يحصل عادة في المستشفيات الحكومية، قرر أن يتصرّف كأنه هو الدولة. فوقّع في مكتبه اتفاقية دولية مع سفير الإمارات حمد الشامسي لتشغيل المستشفى وتمويله من قبل دولة الإمارات، متجاوزاً رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية وصلاحيات الدولة الدستورية في توقيع الاتفاقيات الدولية.
ولم تتوقف الفضيحة عند هذا الحد. فقد وُقّعت اتفاقية ثانية بين السفير الإماراتي وجمعية المقاصد الإسلامية في بيروت، تقضي بدفع مليون دولار سنوياً لمدة عشر سنوات للجمعية، مقابل تسليمها المستشفى لتشغيله وإدارته، ما يعني عملياً سرقة أملاك الدولة. الاتفاقية الثانية هذه لم تُسجّل في وزارة الصحة، وتلا ذلك مؤتمر صحافي داخل الوزارة بوجود سفير الإمارات ورئيس جمعية المقاصد وحصلت «همروجة إعلامية» عن الإنسانية والتعاون، بينما الحقيقة تتلخص بالسرقة الموصوفة.
بعد ذلك، عيّنت جمعية المقاصد إدارة للمستشفى من بيروت. والمفارقة الفاضحة أن رئيس اللجنة الإدارية ومدير المستشفى كان اختصاصه هندسة، لا طبيباً ولا صاحب خبرة في إدارة المستشفيات، فقط لأن شقيقه كان منسقاً عاماً لتيار المستقبل في بيروت.
وصل أعضاء الإدارة إلى مستشفى شبعا، ذبحوا الخواريف، قصّوا الشريط، التقطوا الصور بحضور سفير الإمارات، وفرح الأهالي. لكنهم لم يعرفوا يومها أن المستشفى سُرق منهم قانونياً، ومعه حقوقهم في التوظيف والإدارة والخدمة الصحية.
بعد الاستلام، تبيّن أن المعدات صدأت بسبب سنوات الإقفال وعدم الاستعمال، فبدأ نقلها إلى بيروت بحجة «التصليح» من دون أن تعاد إلى المستشفى، وفق مصادر مطلعة. في المقابل، لا يزال الغموض يحوم حول كيفية صرف الملايين التي كانت تُدفع لتشغيل المستشفى الذي تحوّل إلى «دكانة» لجمعية المقاصد وتيار المستقبل. علماً أنه، في عهد أبو فاعور نفسه، طُلب من مجلس الوزراء تعيين إدارة جديدة لمستشفى رفيق الحريري، وصدر مرسوم التعيين خلال شهرين فقط من استقالة الإدارة السابقة.
في العام 2016 أيضاً، قُدّمت شكاوى بحق وزير الصحة السابق وائل أبو فاعور، وسفير الإمارات، وجمعية المقاصد، أمام النيابة العامة المالية، والتفتيش المركزي، وديوان المحاسبة. إلا أن هذه الشكاوى لا تزال حتى اليوم حبيسة الأدراج. وبسبب عجز المقاصد عن تشغيل المستشفى لعدم توافر المستندات القانونية اللازمة لفتح أقسامه، أُقفل المستشفى مجدداً.
ثم جاء الوزير غسان حاصباني. وبدل أن يصحّح المسار ويطلب من مجلس الوزراء تعيين إدارة نظامية للمستشفى بمرسوم، أصدر قراراً منفرداً بتكليف لجنة إدارية لإدارته. وكان من بين أعضاء هذه اللجان من صدرت بحقهم عقوبات من التفتيش المركزي تمنعهم من العمل في أي مستشفى حكومي، فضلاً عن عدم توافر شروط التعيين لدى بعضهم.
علماً أنه، وخلال ولاية حاصباني، وتحديداً عشية الانتخابات النيابية، طُلب من مجلس الوزراء، وبخط عسكري ومن خارج جدول الأعمال، تعيين سبعة مجالس إدارة لسبعة مستشفيات، وصدرَت مراسيمهم لمصالح انتخابية بحتة… باستثناء مستشفى شبعا، الذي يبدو خارج مصالح السلطة واهتماماتها.
وتوالت بعد ذلك قرارات فردية من وزراء صحة متعاقبين بتكليف لجان لإدارة مستشفى شبعا خلافاً للقانون. وفي عهد الوزير السابق حمد حسن بلغت المهزلة ذروتها، حيث شُكّلت لجنة من سبعة أعضاء، في حين تنص المراسيم التطبيقية على أن إدارة مستشفى بحجم مستشفى شبعا يجب أن تتألف من ثلاثة أشخاص فقط.
هذا وسُمّي أحدهم رئيساً للّجنة الإدارية ومديراً للمستشفى في آن واحد، رغم أن القانون يشترط أن يكون رئيس المستشفى ومديرها طبيباً، ولديه خبرة لا تقل عن ثلاث سنوات في إدارة المستشفيات بالإضافة إلى شروط أخرى. ولم يكن مستغرباً أن تأتي التسمية مباشرة من النائب قاسم هاشم، كونه صديق طفولة المدير المعيّن، فيما توزّع الأعضاء الستة الآخرون على الأحزاب والفاعليات إرضاءً لأركان المنظومة، على حساب المصلحة العامة وأهالي شبعا.
ثم بلغ الفجور الإداري ذروته في العام 2020، حين طلب وزير الصحة حمد حسن من وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني تخصيص الأرض غير الممسوحة التي شُيّد عليها المستشفى بذريعة الحالة الطارئة والملحّة. فتم التنازل عن الأرض بعقد تخصيص بين وزارتَي الصحة والمالية، بناءً على اقتراح مدير عام الشؤون العقارية جورج المعراوي، وبمباركة النائب قاسم هاشم، من دون العودة إلى مجلس الوزراء، ومن دون إصدار مرسوم بتخصيص الأرض ومسحها وفرزها وفق الأصول، ومن دون محاسبة من تجرّأ وبنى مستشفى حكومياً على أرض مشاع بلا مرسوم وبلا تراخيص.
جميع هذه اللجان عجزت عن فتح المستشفى، ليس فقط بسبب تكليفها غير القانوني، بل أيضاً لغياب المستندات القانونية اللازمة: لا خرائط، لا إفادة عقارية، لا سند ملكية، لا تراخيص تشغيل، ولا مرسوم قبول هبة . وبعد استقالة رئيس اللجنة الأخيرة، بقي المستشفى مقفلاً حتى تاريخه، في تعدٍّ فاضح على سيادة الدولة وأملاكها.
العتب لا يقتصر على من تعاقبوا على إدارة هذا الملف، بل يطال الدولة التي سمحت، ونائب المنطقة الذي، بدل أن يُصلح، ساهم في مخالفة القوانين التي يشارك هو نفسه في تشريعها داخل مجلس النواب.
الخلاصة القاسية أن مستشفى شبعا لم يُقفل بسبب الإهمال، بل أُقفل لأن الدولة نفسها سُرقت. سُرقت باسم الهبة، وباسم الإنسانية، وباسم السياسة والطوائف. وما جرى في شبعا نموذج مصغّر عن كيفية تفكيك الدولة اللبنانية قطعة قطعة أمام أعين مواطنيها. فهل ستغيّر زيارة سلام شيئاً من هذا الواقع المرير؟

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
