الكون ليس له بداية ولا نهاية: قراءة تعليمية في الزمن، الخطوط، والرياضيات

تقول الرؤية التيغاتيّة – وتوافقها عدة نماذج في الفيزياء الحديثة – إنّ الكون غير قابل أصلاً لفكرة “البداية”. ليست هذه جملة شعرية، بل نتيجة منطقية مباشرة. فمجرد أن تقول “بداية”، فهذا يعني أنك افترضت وجود زمن قبل البداية؛ وهذا تناقض، لأن الزمن نفسه جزء من الكون، فكيف نضعه خارجه؟

إذن: الكون لا يبدأ… لأنه لا يمكن للزمن أن يوجد خارجه. ومن هنا تنطلق الفكرة المركزية: الوجود مطلق، والوعي أصل لا يولد ولا يعدم، وكل ما نسمّيه “كوناً” هو إسقاط هذا الوعي على مجالات احتمالات متداخلة.

إذا لم يكن للكون بداية… فماذا يعني ذلك؟

يعني أن كل ما نسمّيه “تطوّراً” أو “تاريخاً” أو “خطاً زمنياً واحداً” ليس إلا زاوية صغيرة داخل حقل من الإمكانيات موجود دائماً في شكل “الآن اللامتناهي”. فغياب البداية يعني غياب الخط الزمني الواحد. وبدلاً منه يظهر تعدد الأزمنة، تعدد الحالات، تعدد نقاط النهاية والبداية، وتعدد “الإصدارات” المحتملة للواقع.

وهذا ما يفسّر، من منظور التيغاتيين، لماذا توجد خطوط زمنية متعددة، ولماذا يتحرك الوعي بينها لا عبر الوقت، بل عبر التردد.

لماذا يؤدي غياب البداية إلى تعدد الخطوط الزمنية؟

عندما لا يوجد خط واحد يبدأ من “حدث أصل”، فهذا يعني أن الزمن ليس سهماً، وأن الوعي لا يسافر “من الماضي إلى المستقبل” بل يختار بين احتمالات موجودة مسبقاً. وبالتالي يصبح الكون شبكة احتمالات، لا خطاً مستقيماً.

هذا المفهوم هو ما تترجمه الفيزياء الحديثة في صيغ مختلفة: الأكوان المتعددة؛ تاريخ إيفريت الكوانتي؛ نموذج Penrose للدورات؛ ونموذج Big Bounce.

في جميعها: الانفجار العظيم ليس بداية مطلقة، بل مرحلة داخل دورة أعظم.

البيغ بانغ Big Bang

إن صح، فهو حلقة في دورة… وليس بداية الكون. بعض النماذج الكونية الحديثة (Big Bounce، CCC) تعتبر أن ما نسميه Big Bang هو: لحظة “تحول طور” (Phase Transition) داخل دورة من التمدد والانكماش ضمن حقل موجود دائماً.

وبالتالي، فالانفجار العظيم ليس “الخلق من العدم”، بل “تجديد لمرحلة” داخل وجود أزلي. هذا ما ينسجم بالكامل مع الرؤية التيغاتيّة: الكون لا يولد، بل يتغيّر… وهذه التغيرات قد تبدو، من داخل الخط الزمني المحدود، كأنها “بدايات”.

أين تدخل رياضيات القاعدة 12؟

القاعدة 10 التي نستخدمها أرضياً هي بنية خطية: 1 ⬅️ 2 ⬅️ 3 ⬅️ … ⬅️ 10، وهذه البنية هي نفسها ما جعل الإنسان يفكر بشكل خطّي:

  • بداية ⬅️ نهاية
  • سبب ⬅️ نتيجة
  • حدث واحد أصلي ⬅️ تاريخ واحد

هذه الرياضيات غير كافية لفهم واقع غير خطي مثل الزمن المتعدد. بينما القاعدة 12 هي بنية هارمونية دورانية تنقسم بشكل مثالي إلى 2، 3، 4، 6، تنتج أشكالاً متداخلة، تمثل التفرّع، وتسمح بنماذج فراغية وزمنية متعددة.

إنها “اللغة الرياضية” الطبيعية لشبكات احتمالية، لا لخطوط مستقيمة. وهذا بالضبط ما نحتاجه لفهم تعدد الخطوط الزمنية والتشعبات والتحولات الترددية والهندسة الفراغية للوعي.

بمعنى آخر: القاعدة 10 تصف عالماً بخط واحد، بينما القاعدة 12 تصف عالماً بشبكة.

الخلاصة في جملة واحدة

إذا لم يكن للكون بداية، فهو ليس خطاً؛ وإذا لم يكن خطاً، فهو شبكة احتمالات؛ وهذه الشبكة لا تُفهم بقاعدة 10، بل بقاعدة 12 لأنها تعكس التفرّعات والدورات والهارمونيك.

مقالات الكاتب

شكري يعيش

عالم جيولوجيا وأستاذ جامعي تونسي، متخصص في علوم الأرض والبيئة وله خبرة طويلة في البحث العلمي والتدريس، بالإضافة إلى نشاطه السياسي كنائب سابق في البرلمان التونسي.