تكمن الأخبار السارة في الإفراج عن الرهائن (الإسرائيليين) وعودتهم إلى ديارهم. كما أن وقف إطلاق النار في غزة يُعدّ خبرًا مرحّبًا به، حيث تشير التقارير إلى تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع. يمكن للمؤرخين النقاش حول ما إذا كان بالإمكان تحقيق كل ذلك في وقتٍ أبكر، لكن الأخبار الجيدة من الشرق الأوسط – أو من أي مكان هذه الأيام – نادرة جدًا، وبالتالي سنأخذ منها ما يمكننا الحصول عليه.
ومع ذلك، على عكس ما يقترحه البعض، فإن الأمر لا يمثل نقطة تحوّل حقيقية – على الأقل ليس بعد. هنا، يُمكن القول إن الإنجاز الدبلوماسي الأكثر أهمية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث كان اتفاقيات كامب ديفيد، التي أرسَت السلام بين إسرائيل ومصر، الدولة العربية الأكثر قدرة وأهمية في ذلك الوقت. فبدون مصر، لم تعد الدول العربية تمتلك خيارًا عسكريًا قابلاً للتطبيق لتهديد إسرائيل أو مهاجمتها. وعلى عكس اتفاقيات كامب ديفيد، فإن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه الأسبوع الماضي، ورغم أهميته وتلقّيه إيجابيًا، لم يُنهِ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، أو إمكانية تجدد الحرب.
وصف الرئيس (دونالد) ترامب الأمر بأنه “فجر الشرق الأوسط الجديد”. لكن تحويل هذه الرؤية إلى واقع سيكون مهمة شديدة الصعوبة. فمن غير المرجح أن تقوم حركة “حماس” بنزع السلاح بالكامل حتى لو تظاهرت بخطوات نزع جزئية. وما سيكون مطلوبًا لإعادة النظام إلى غزة هو إنشاء قوة دولية متعددة الجنسيات قادرة على ردع العنف أو التدخل بشكل حاسم حال وقوعه. بيد أن النجاح في هذه المهمة المعقدة يُعدّ شرطًا أساسيًا لتحقيق جميع الأهداف الأخرى: إعادة تشكيل البنية التحتية المدمرة؛ إقامة اقتصادٍ وظيفي؛ وخلق آليات حوكمة جديدة.
علاوة على ذلك، لا يمكن لمجرد وثيقة أن تُزيل تأثير “حماس”. فالحركة لن تُلغى، ولن تتغير بالضرورة. المطلوب هو تهميشها. وهذا يستدعي عملية سياسية جادة تخلق سياقًا يمكن أن يظهر فيه قيادة فلسطينية بديلة مقبولة. ويتطلب ذلك من الحكومة الإسرائيلية وضع خطة واضحة لما سيأتي بعد انتهاء الحرب. كان من الممكن لإسرائيل أن ترفض القيام بذلك أثناء الحرب، لكن بعد وصول اليوم التالي فعليًا، لم يعد هناك مبرر لأي تأجيل إضافي.
إلّا أنه من المرجح أن يحدث تأجيل إضافي. فقد جاء رفض بنيامين نتنياهو حضور الاجتماع من أجل السلام في مصر بمثابة إنذار يوضح مدى صعوبة متابعة التقدم المحرز. صحيح أن التبرير الرسمي لعدم حضوره إلى شرم الشيخ كان حلول عطلة يهودية، غير أن التفسير الأكثر إقناعًا كان حضور محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية. فقد قرر نتنياهو وتحالفه اليميني أن أي مشاركة تتعلق بالسلطة الفلسطينية غير مقبولة، خشية أن تُسهم في تعزيز الزخم نحو إنشاء دولة فلسطينية.
وثمة ملاحظة تاريخية: فقد جرى أول اجتماع رسمي مباشر للتفاوض على السلام بين إسرائيل والحكومات العربية في مدريد في تشرين الأول/أكتوبر 1991، بعد فترة قصيرة من وضع حرب الخليج أوزارها. آنذاك، كانت القضية الأكثر تعقيدًا تتعلق بتشكيل الوفد الفلسطيني. إذ رفضت الحكومة الإسرائيلية، بقيادة إسحاق شامير، الجلوس مع ياسر عرفات وممثلي منظمة التحرير الفلسطينية. وقد تم التوصل إلى حل تكتيكي عبر دمج فلسطينيي الأراضي المحتلة والقدس ضمن الوفد الأردني. لم يُخدع أحد بتلك المناورة، لكن السياسة غالبًا ما تفرض مثل هذه الترتيبات في سياق الدبلوماسية. وفي هذا السياق تحديدًا، لم يظهر أي حل بديل مقبول هذه المرة.
إلا أن مسألة القيادة الفلسطينية ومستقبل أكثر من خمسة ملايين فلسطيني يعيشون في غزة والضفة الغربية تظل محورية في مهمة إحلال السلام. وتلفت مؤشرات إضافية إلى حجم التحديات المقبلة، مثل خطاب نتنياهو أمام البرلمان الإسرائيلي، الذي عرّف السلام من منظور توسيع “اتفاقيات أبراهام” لتشمل دول عربية إضافية، بدلًا من معالجة الطموحات السياسية الفلسطينية.
كل ذلك يضع الولايات المتحدة في موقع المحور المركزي. فوقف إطلاق النار وإعادة الرهائن (والتبادل المرتبط بالأسرى) لم يكن ليحدث لولا تدخل الرئيس ترامب. ومن الواضح أيضًا أن للأخير مكانة مميّزة في إسرائيل، حيث يُنظر إليه من قِبَل اليمين كصديق حقيقي للدولة (بسبب نقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان)؛ ومن قِبَل اليسار كشخص تجاوز مقاومة حكومة نتنياهو لإبرام صفقة أنهت الحرب في غزة وأعادت الرهائن إلى ديارهم. والحال أن الإسرائيليين من جميع الأطياف السياسية رحّبوا بدعم ترامب لهجمات إسرائيل على المواقع النووية الإيرانية وقرار الولايات المتحدة بالمشاركة فيها.
السؤال المطروح في المستقبل سيتمحور حول ما إذا كان الرئيس سيستفيد من مكانته هذه لمواصلة الضغط على نتنياهو على الصعيد السياسي – إما من خلال المطالبة بتقديم تنازلات إسرائيلية بشأن القضايا المتعلقة بالأراضي والمستوطنات، و/أو عبر طرح خطة أميركية للسلام تهدف إلى خلق زخم نحو حل الدولتين، ما يضع الكرة في ملعب نتنياهو. لكن أن يختار ترامب بدلاً من ذلك الضغط علنًا وبشكل غير ملائم على الرئيس الإسرائيلي لإعفاء بنيامين نتنياهو من تهم الفساد لم يكن أمرًا مطمئنًا، إلا إذا كان هناك ما يدور في ذهن ترامب لناحية طلب شيء كبير في المقابل من نتنياهو لاحقًا. وقد يكون لذلك أهمية بالغة، خصوصًا وأن الاحتمالات ترجّح أن يواصل نتنياهو تولّي رئاسة الحكومة بعد انتخابات العام المقبل.
أما غير ذلك، فإن خطاب ترامب الطويل المملوء بالانحرافات كان غنيًا بالرؤية، ومفتقرًا إلى التفاصيل. للأسف، شملت الملاحظات الموجهة إلى الكنيست الإشارة المألوفة جدًا لتقليل شأن الرؤساء الأميركيين السابقين، وهو ما لا ينبغي لأي من يشغل منصب المكتب البيضاوي القيام به، لا سيما عند التحدث في الخارج. كما تضمّن الخطاب المبالغة المتوقعة في تقدير الإنجازات التي تحققت. لكن رغم الترحيب بكل ما تحقق، كما ذكرنا أعلاه، فإن كل ذلك لا يمثل سلامًا حقيقيًا. وأخيرًا، توجّه الخطاب بغرابة إلى إيران؛ فهذا الرئيس يميل إلى محاولة تحويل الأعداء إلى أصدقاء في الوقت الذي يُظهر فيه ميلًا لتحويل الأصدقاء إلى أعداء. علماً بأنه من المرجح أن تثبت إيران أنها ليست أقل مراوغة من كوريا الشمالية في هذا الصدد.
السلام لن يتحقق من تلقاء نفسه. فهو ممكن فقط إذا بذلت الولايات المتحدة جهدًا مستمرًا ومنسّقًا لتحقيقه. وهكذا، إذا كرّس الرئيس ترامب نفسه وإدارته لهذه المهمة، فسوف يكون بلا شك مستحقًا لجائزة السلام التي يبدو أنه يطمح إليها بوضوح.
المصدر: ريتشارد هاس / Substack: Home & Away

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
