لا تتغيّر الأنظمة الدولية على نحوٍ مفاجئ، بل تميل تحوّلاتها إلى التدرّج البطيء والتراكمي. ففي المراحل الأولى، تبدو المؤشرات خافتة وغير لافتة، غير أنّ تراكمها مع مرور الوقت يعيد تشكيل المشهد برمّته، إلى أن تتبدّل ملامح النظام الدولي بصورة شبه كاملة.
ما نشهده اليوم لا يقتصر على خلافٍ عابر بين الولايات المتحدة الأميركية، بوصفها القوّة القيادية لحلف شمال الأطلسي، وبين أوروبا الحليفة بدولها ومؤسساتها، بل يتجاوز ذلك إلى مرحلة تراجعٍ تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على أداء دور القيادة العالمية كما اعتادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فلم يعد من السهل على واشنطن حشد الدول حول موقفٍ موحّد، كما لم يعد حلفاؤها مستعدّين لتقديم الدعم غير المشروط دون مساءلة أو مراجعة أو إعادة احتساب الكلفة الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية لمواقفهم.
بعبارة أكثر دقّة، يشهد العالم تحوّلاً بنيوياً في بنية القوة الدولية. فلم تعد هناك قوّة واحدة تقود النظام الدولي، بل باتت ملامح تعدّدية قطبية تتبلور تدريجياً، حيث تتقاطع مصالح قوى كبرى وصاعدة، وتتنافس على النفوذ والتأثير ضمن مساحات جغرافية واقتصادية متداخلة.
لقد قامت البنية الدولية التي أرستها واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية على معادلة دقيقة يمكن توصيفها بـ”أمن مضمون مقابل ولاء سياسي”. لم تكن هذه المعادلة مجرد ترتيبات عسكرية، بل شكّلت إطاراً ذهنياً واستراتيجياً نظّم سلوك الدول الغربية لعقود طويلة، وخصوصاً خلال الحرب الباردة وما بعدها. غير أنّ هذا الإطار بدأ يتآكل تدريجياً، لا نتيجة تراجع مفاجئ في القوة الأميركية، بل بفعل تغيّر أولويات العالم وتحوّل مركز الثقل الاستراتيجي نحو مناطق أخرى.
فبينما تنظر واشنطن إلى القرن الحادي والعشرين باعتباره ساحة تنافس استراتيجي طويل الأمد مع الصين، تجد أوروبا نفسها محاصرة بجغرافيا معقّدة: حرب على حدودها الشرقية، اضطرابات مزمنة في جوارها الجنوبي، وأزمات طاقة تضرب عمق اقتصاداتها. هذا التباين في الأولويات لم يعد قابلاً للمعالجة عبر الخطابات الدبلوماسية التقليدية، بل يعكس اختلافاً بنيوياً في تعريف التهديد ذاته.
فحين تطلب الولايات المتحدة من حلفائها الأوروبيين الانخراط في صراعات بعيدة جغرافياً، بات يُنظر إلى ذلك في العواصم الأوروبية كعبء استراتيجي قد لا يخدم مصالحها المباشرة. ومن هنا، يبدو التردّد الأوروبي انعكاساً لتحوّل عميق نحو ما يمكن تسميته بـ”الاستقلال الاستراتيجي”، حيث يُعاد تعريف مفهوم السيادة في إطار أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية.
ولا يقتصر هذا التحوّل على العلاقات عبر الأطلسي، بل يمتد ليعيد صياغة مفهوم “التحالف” في النظام الدولي برمّته. فقد تحولت التحالفات من مجرد كيانات صلبة تقوم على التزامات دائمة إلى شبكات مرنة تتشكّل وتتفكّك وفق طبيعة كل أزمة. فالدولة اليوم قد تكون شريكاً في ملفّ، وخصماً في ملفّ آخر، دون أن ترى في ذلك تناقضاً استراتيجياً. هذه السيولة في الاصطفاف تجعل من الصعب بناء جبهات واضحة، لكنها تفتح في الوقت نفسه المجال أمام تكتيكات أكثر تعقيداً، حيث تتحرّك الدول في مساحات ضبابية بدلاً من الانتماء إلى معسكرات ثابتة.
في هذا السياق، يبرز ما يمكن وصفه بـ”الفراغ المُحفِّز”. فكل مساحة تنسحب منها قوة تقليدية تتحوّل تلقائياً إلى مجال جذب لقوى أخرى، سواء كانت صاعدة أو إقليمية.
فالصين، على سبيل المثال، لا تتقدّم عبر الدبابات أو الجيوش البرية، بل عبر الموانئ والاستثمارات وسلاسل التوريد، معتمدةً على أدوات اقتصادية طويلة الأمد لإعادة تشكيل النفوذ العالمي. أمّا روسيا، وعلى الرغم من محدودية اقتصادها مقارنة بالغرب، فقد أثبتت قدرتها على استثمار الفجوات الأمنية والسياسية لتحقيق حضور يتجاوز وزنها النسبي. وفي المقابل، وجدت القوى الإقليمية في هذا التحوّل فرصة لإعادة تعريف أدوارها كلاعبين يمتلكون هامش مناورة أوسع وقدرة أكبر على التأثير.
إن ما يتكوّن حالياً يبدو أقرب إلى “فوضى مُدارة” منه إلى نظام متماسك. فغياب مركز واحد للقرار لا يُنتج تلقائياً تعددية منسجمة، بل يفتح المجال أمام تضارب الحسابات وسوء التقدير. في مثل هذا العالم، قد تتحوّل الأزمات المحدودة إلى مواجهات أوسع نتيجة غياب آليات واضحة لضبطه. وتتجلى خطورة هذه المرحلة في الممرّات الحيوية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. فالمضائق البحرية التي كانت تُعدّ، سابقاً، تحت حماية غير معلنة من قوة مهيمنة، أصبحت اليوم نقاط احتكاك مفتوحة على احتمالات متعددة.
لقد أصبح استقرار هذه الشرايين رهناً بتوازنات معقّدة تشمل دولاً إقليمية، وفاعلين غير تقليديين، وشبكات مصالح اقتصادية متشابكة. هذا التحوّل يجعل من أمن المنظومة الاقتصادية العالمية مسألة تفاوض دائم، لا نتيجة تفوّق عسكري حاسم.
ما يميّز اللحظة الراهنة أنّ العالم لا يشهد انهياراً كاملاً للنظام القديم، ولا ولادة مكتملة لنظام جديد. نحن في منطقة انتقالية، تستمر فيها القواعد القديمة بالعمل جزئياً، فيما تتشكّل قواعد جديدة بصورة غير مكتملة. هذا “الزمن الرمادي” هو بطبيعته الأكثر خطورة، لأنه يجمع بين توقعات الماضي وعدم يقين المستقبل.
فالقوى الكبرى لا تزال تتصرّف أحياناً بعقلية الهيمنة التقليدية، في حين يتصرّف الآخرون بعقلية التحرّر منها. هذا التباين في السلوك يخلق فجوة في التوقعات قد تتحوّل إلى مصدر لصراعات غير محسوبة.
في نهاية المطاف، قد يكون من الضروري أن نسال كيف سيتم تقاسم عبء قيادة هذا العالم. فالنظام الدولي الذي يتشكّل لا يبدو مرشّحاً لإنتاج قطب مهيمن جديد، بل لتوزيع الوظائف القيادية بين عدة قوى، تتحكّم كل منها بجزء من المشهد دون القدرة على احتكاره بالكامل.
هذا النمط قد يخلق توازناً هشاً، لكنه يفرض، في الوقت ذاته، على الدول — كبيرة كانت أم صغيرة — تطوير أدوات أكثر مرونة في إدارة علاقاتها، بعيداً عن الرهان على مظلّة واحدة أو محور ثابت.
العالم، إذن، يتجه نحو تعدّد رواياته. وفي هذا التعدّد تكمن “الفرصة” كما يكمن “الخطر”: فرصة لإعادة توزيع القوة بصورة أكثر توازناً، وخطر الانزلاق إلى صراعات لا تحكمها قواعد واضحة. وبين الاثنين، سيبقى العامل الحاسم هو قدرة الدول على التكيّف مع واقع لم يعد يعترف باليقين، بل يكافئ من يجيد العيش في منطقة الشك.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
