من التلقيح الفضائي إلى صخور الأرض وينابيعها… لغز نشوء الحياة يتواصل

 

يقول عالِم الفيزياء الفلكية، ماريو ليفيو، وعالِم البيولوجيا، جاك دبليو زوستاك: «من المستحيل الجزم بما إذا كان ظهور الحياة على الأرض أمراً حتمياً، أم حادثاً كيميائياً مستبعداً للغاية. لذا، قد لا يُجاب على سؤال وجود – أو عدم وجود – حياة خارج كوكب الأرض في مجرة ​​درب التبانة إلا من خلال بحث فلكي مكثّف عن الحياة نفسها». كلام فيه الكثير من الدقة. غير أن ظروف نشأة الحياة على الأرض نفسها لم تبح بجميع أسرارها بعد. وعلى كوكبنا الأزرق يجب أن ينصبّ التركيز أولاً وقبل أي زاوية «فلكية» أخرى.

كشفت دراسة لمؤسسة كارنيغي للعلوم، أوردتها قبل أسابيع مجلة «PNAS»، أقدم دليل كيميائي حتى الآن على وجود حياة على الأرض. ووفقاً للتحليل الذي استخدم التعلم الآلي، يعود تاريخ آثار كربون مجزأة اكتُشفت في جنوب أفريقيا إلى 3.33 مليار سنة. كما حدّد عمل الفريق أقدم دليل على عملية التمثيل الضوئي حتى الآن في صخور عمرها 2.52 و2.3 مليار سنة، من جنوب أفريقيا وكندا، على التوالي. وهو ما يُؤخر الجدول الزمني الموثق للعملية بأكثر من 800 مليون سنة. اكتشاف هام آخر، لكن نذهب أبعد من التواريخ.

لطالما تساءل العلماء عن كيفية تشكُّل البروتينات الأولى قبل أن تتسلّح الخلايا بآلياتها المعقدة. لماذا؟ لأن الحياة – من عملية إصلاح الخلايا إلى إستراتيجية الدفاع المناعي وما بينهما – تحتاج إلى البروتينات بشدّة. وقد جرت بالفعل محاولات سابقة، لكن فاشلة، لتحقيق أول تركيب لمداميك الحياة الأساسية باستخدام جزيئات شديدة التفاعل لربط الحمض النووي الريبوزي (دليل التعليمات القديم للحياة) والأحماض الأمينية الأساسية بدورها لتكوين البروتينات – أي المنفّذ الأمين للمهام المستقاة من التعليمات آنفة الذكر.

في دراسة لجامعة «كوليدج لندن»،  نُشرت في مجلة «Nature» الصيف الماضي، أعاد الباحثون، بعد طول عناء، تمثيل لحظة تفاعُل العنصرين. بحسب الفريق، تستخدم الحياة اليوم آلة جزيئية بالغة التعقيد – أي الريبوسوم – لتخليق البروتينات. وتتطلب الآلة المذكورة تعليمات كيميائية منقوشة في الحمض النووي الريبوزي المرسال، الذي يحمل تسلسل الجين من الحمض النووي للخلية إلى الريبوسوم إياه. ذلك كي يتسنى للأخير قراءة الحمض النووي الريبوزي وربط الأحماض الأمينية معاً، واحداً تلو الآخر، لتكوين بروتين ما.

نجحت الدراسة بإتمام الجزء الأول من هذه العملية المعقدة باستخدام مبادئ الكيمياء الأولية في الماء عند درجة حموضة متعادلة لإتمام عملية الربط. ويعتقد الباحثون أن سعيهم يُقرّبنا من توضيح كيفية بناء الأحماض أمينية والحمض النووي الريبوزي للببتيدات (والأخيرة عبارة، هي الأخرى، عن سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية الأساسية للحياة). تطوُّر إضافي بلا شك. لكن من باطن ينابيع اليابان الحارة أيضاً، خرجت علينا مؤخراً أدلة محتملة للغاية على أصول الحياة على الأرض.

نعود قبل ذلك مليارات السنين إلى الخلف، حين قلّ مستوى الأكسجين في الغلاف الجوي للكوكب بحوالى مليون مرة عن واقعه اليوم. وانطلاقاً من هذا المعطى، درس باحثون من معهد طوكيو لعلوم الحياة والأرض ينابيع اليابان الحارة الغنية بالحديد، والتي تُحاكي المحيطات القديمة (قرابة فترة أكسجة الغلاف الجوي قبل نحو 2.3 مليار سنة)، لاكتشاف كيفية صمود الميكروبات المبكرة. فتبيّنت لهم مجتمعات من البكتيريا التي اعتاشت على الحديد وكميات ضئيلة من الأكسجين، مُشكّلة أنظمة بيئية أعادت تدوير عناصر مثل الكربون والنيتروجين والكبريت.

وفق النتائج، استخدمت المجتمعات الميكروبية المبكرة الحديد إلى جانب الأكسجين الذي أطلقته الميكروبات الضوئية، للحصول على الطاقة، ما يكشف عن نظام بيئي – حياتي انتقالي حوّل نفايات أحد الكائنات الحية إلى مصدر طاقة جديد قبل أن تبسط عملية التمثيل الضوئي هيمنتها. ويلفت البحث إلى تحوُّل في فهمنا (المنقوص) للنظم البيئية – الحياتية المبكرة، إذ يُظهر أن الميكروبات ربما تكون قد سخّرت الطاقة من أكسدة الحديد والأكسجين الناتجين عن الكائنات الضوئية المبكرة.

طبعاً، قد يكون للبحث الياباني، المنشور في وقت سابق من هذا العام في مجلة «J-Stage»، آثار بالغة الأهمية على التنقيب عن الحياة على كواكب أخرى ذات ظروف جيوكيميائية مُشابهة لظروف كوكبنا المبكرة. لكن نبقى أرضاً ونعرّج على دراسة جديدة، عرضها موقع «arxiv.org»، تناولت أحد أكثر الأسئلة العلمية الموازية إلحاحاً: هل – وكيف – نشأت الحياة أولاً من مادة غير حية على الأرض في بداياتها؟ وهو سؤال لا يقلّ أهمية بمآلاته عمّا بتنا نعرفه عن البروتينات وعمّا بلغنا من صخور جنوب أفريقيا وينابيع اليابان.

باستخدام أساليب رياضية متقدمة، طوّر فريق من جامعة «إمبريال كوليدج لندن» إطاراً يُشير إلى أن الظهور التلقائي للحياة ربما اتّسم بصعوبة أشدّ بكثير مما كان يُعتقد سابقاً. وسلّط البحث الضوء على التحدي الهائل المتمثل في توليد معلومات بيولوجية مُهيكلة في ظل ظروف ما قبل حيوية واقعية، مُؤكداً على مدى استحالة ظهور أول خلية حية بشكل طبيعي.

لكن كيف؟ بتطبيق نظرية المعلومات والتعقيد الخوارزمي، حلّل الباحثون ما يتطلبه الأمر لأقدم خلية حية، المعروفة باسم الخلية الأولية، لتتجمع ذاتياً من مكونات كيميائية بسيطة. وهو منظور رياضي يُظهر مدى استحالة حدوث مثل هذه العملية إذا ما تُركت للصدفة في ظل الظروف الطبيعية حصراً. النتائج تلفت إلى أن الصدفة وحدها، مقترنةً بالتفاعلات الكيميائية الطبيعية، قد لا تُفسر بشكلٍ كافٍ نشأة الحياة ضمن الإطار الزمني المحدود للأرض المبكرة. فحيث أن الأنظمة تتجه عموماً نحو الفوضى بدلاً من النظام، يمسي تكوين الترتيبات عالية التنظيم اللازمة للحياة بمواجهة عوائق خطيرة.

هذا لا يعني البتة استحالة نشوء الحياة طبيعياً، لكنه يشي بأن المعرفة الحالية قد تكون غير مكتملة. ذلك لا سيما وأن تحديد المبادئ الفيزيائية الكامنة وراء بزوغ فجر الحياة من رحم مادة غير حية لا يزال أحد أبرز تحديات الفيزياء الحيوية. فماذا لو أن الحياة، كما نعرفها، كانت قد بُذرت عمداً على الأرض من قِبَل حضارات فضائية متقدمة، كما تلمّح الفرضية؟

هو سؤال يضاف إلى قائمة تطول من الأسئلة المحيّرة في هذا الإطار. وهنا، لا بد من ذكر كلام لمايكل مارشال، الكاتب العلمي المتخصص في أصل الحياة، يعزّز استحالة الجزم التي بدأنا بها. وهو القائل: «ما يحتاجه البحث في أصول الحياة هو الانفتاح الذهني والاستعداد للاختلاف البنّاء». فمن أين تأتينا الإجابات، إذاً؟ أمِن ثنايا الكوكب أو من خارجه، وبإبداع من ذكائنا البشري أو بدعم من نظيره الاصطناعي؟ الأرجح، كما يبدو، أنها ستستند إلى مزيج من كل ما سبق.

 

المراجع:

  • https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.2514534122
  • https://doi.org/10.1038/s41586-025-09388-y
  • http://dx.doi.org/10.1264/jsme2.ME24067
  • https://doi.org/10.48550/arXiv.2507.18545
مقالات الكاتب

روني عبد النور

مجاز في الفيزياء والمعلوماتية ويعمل في مجال الاستشارات الإدارية. له مساهمات سابقة وحالية في الكتابة والترجمة والتحرير.