أهلاً بكل من يزور لبنان… ولكن

أهلاً وسهلاً، مبدئياً، بكلّ الذين يزورون لبنان اليوم، فيما يمرّ البلد بأزمة كارثية، سواء على الصعيد الأمني، بسبب الحرب مع إسرائيل، أو على الصعيد الاقتصادي.

منذ البارحة وحتى يوم غد يقوم البابا ليون الرابع عشر بزيارة رسولية إلى لبنان. من ضفاف البوسفور إلى الساحل البيروتي، اختار الحبر الأعظم الأميركي-البيروفي، المنتخب منذ ما يزيد قليلاً عن ستة أشهر، تركيا ولبنان كأول محطة في سفره. إنها رحلة إلى قلب جذور الشرق المسيحي، تحمل شعار السلام والوحدة.

تكتسب هذه الزيارة بُعداً رمزياً عالياً. فلبنان يُنظر إليه غالباً كـ«بلد رسالة»، وكفسيفساء دينية، لكنه أيضاً دولة مثخنة بالجراح جراء أزمات عميقة. كثير من اللبنانيين، وعلى رأسهم الرئيس جوزيف عون، يرون في هذه الزيارة نداءً للسلام، ولتعزيز الوجود المسيحي، وحماية «النموذج اللبناني» في العيش المشترك.

في ظل التوترات الإقليمية والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية القصوى، تشكّل هذه الزيارة علامة رجاء. كما تمثل دعماً للمسيحيين في لبنان وللدور الذي يقوم يه البلد بوصفه «أرضاً للتعايش» بين الطوائف الدينية، وكفاعل أساسي في المنطقة يحمل نموذجاً للحرية والتعددية.

اجتماعياً، يأمل اللبنانيون أن تجذب هذه الزيارة، إلى جانب بعدها الروحي، الانتباه الدولي إلى الوضع الاقتصادي والسياسي والإنساني في البلاد، ولا سيما إلى معاناة السكان، إذ يرتبط لبنان بتاريخ طويل جداً مع الكرسي الرسولي يعود إلى زمن الحملات الصليبية وفترة ما بعد الصليبيات، التي تميزت بحماية الأماكن المقدسة.

ورغم أنّ الحرب الحالية تطال بشكل رئيسي حزب الله في الجنوب، إلا أن القرى المسيحية معنيّة هي أيضاً. ثم إنّه، في كل حال، عندما يتألم الشيعة يتألم المسيحيون أيضاً، لأن التضامُن الإنساني متداخل، ولأن الوضع الاقتصادي يدفع جميع اللبنانيين إلى حالة من الضيق الشديد. من هنا أهمية هذه الزيارة، التي قد تحمل نفَساً جديداً على الصعيدين الروحي والزمني.

لكن، في المقابل، لم يعد اللبنانيون مغفّلين. فلكي يأملوا تحقيق أي فائدة من هذه الزيارة، يجب أولاً أن يكون البابا قادراً فعلاً على العمل. لكن العقبات كثيرة، ولا جدوى من إخفائها.

من هو البابا؟ وما الذي يمكنه فعلاً أن يفعله؟ الصورة قاتمة إلى حدّ كبير.

لم يقطع الفاتيكان مع الاقتصاد الحر؛ لا يزال يدافع عن الملكية الخاصة؛ ويُفضل العمل الخيري على تغيير البُنى الاقتصادية. كيف يمكن تصديق مساعدات الفاتيكان بينما يعلم الجميع أن المؤسسات الدينية، وخصوصاً اللبنانية، تراكم الثروات ولا تعطي الفقراء إلا القليل، حتى من بين رعاياها المؤمنين؟

لا أحد يجهل حجم الممتلكات العقارية للفاتيكان، ولا مجموعاته الفنية وكنوزه، ولا إدارة بنك الفاتيكان الغامضة. التناقض بين هذه الثروات والبؤس الذي يضرب العالم واللبنانيين صارخ. إنه يتعارض بشكل فاضح مع القيم الإنجيلية المعلنة ويُكرّس رمزياً النظام البورجوازي.

كما يصعب انتظار دعم حاسم من مؤسسة ما تزال تتمسك بالمحافظة الأخلاقية والاجتماعية: مواقف تُعدّ رجعية بشأن الجندر، والجنسانية، ووسائل منع الحمل، والإجهاض. ولم ينسَ أحد معارضة الفاتيكان للشيوعية طوال القرن العشرين، ولا إدانته للماركسية منذ «ريريوم نوفاروم» وحتى الوثائق الحديثة، ولا دعمه المباشر أو غير المباشر لبعض الأنظمة المناهضة للشيوعية، ولا مواقف السلطة البابوية تجاه لاهوت التحرير في عهد يوحنا بولس الثاني وبندكتس السادس عشر.

يعرف اللبنانيون اليوم أنّ المؤسسات الدينية، المسيحية كما الإسلامية، تمتلك ثروات هائلة ولا تمدّ المؤمنين إلا بمساعدات ضئيلة. وقد قامت المؤسسات الدينية، الإسلامية والمسيحية، في لبنان بتحويل مبالغ ضخمة إلى سويسرا أو فرنسا أو أماكن أخرى منذ بداية الأزمة اللبنانية، متبعةً خطى الأثرياء الذين هرّبوا أموالهم إلى الخارج وأصبحوا الآن ملاحقين قضائياً بتهم الاسترداد والتهرب الضريبي.

منذ 2019، غرق لبنان في أزمة مالية كبرى: فرضت المصارف ضوابط غير رسمية على الرساميل، ومنعت المواطنين من الوصول إلى مدخراتهم. وفي هذا السياق، أصبحت التحويلات الضخمة، التي قام بها مسؤولون سياسيون واقتصاديون ودينيون، موضوعاً متفجراً (قرار القاضي ماهر شعيتو، تشرين الأول 2025). وهي محاولة لاستعادة الأموال التي نُقلت بشكل غير شرعي. وكانت المؤسسات الدينية من أوائل الجهات التي قامت بذلك.

كثيراً ما يعارض “المفكرون الأحرار” في فرنسا الفاتيكان، لا عداءً للمؤمنين، بل لأسباب فلسفية وسياسية وتاريخية تتعلق بالدفاع عن العلمانية وحرية الضمير. يطالب هؤلاء بفصل صارم بين الكنائس والدولة. ويرون أن الفاتيكان، وهو دولة دينية ذات نفوذ عالمي، يسعى بانتظام للتأثير على النقاشات العامة في فرنسا: المدرسة، والأخلاقيات البيولوجية، وحقوق المرأة، وحقوق مجتمع الميم، إلخ.

وينتقدون خصوصاً نظام الألزاس-موزيل (منطقة في فرنسا يسود فيها نظام خاص)، الذي يتيح تمويلاً عاماً للديانات الكاثوليكية والبروتستانتية واليهودية، في تناقض مع قانون 1905. وإذا كان تمويل الدولة للمؤسسات الدينية في فرنسا استثناءً، ففي لبنان هو القاعدة: الدولة اللبنانية شديدة الكرم مع المؤسسات الدينية، التي تستفيد من تمويلات كبيرة وإعفاءات ضريبية.

سأل لبنانيون وبحق: لماذا يعاد تزفيت بعض الطرقات خلال أيام فقط، لمجرد أن البابا آت بينما يبقى البلد كله غارقاً في طرقات مدمّرة ومهملة؟ الناس فقراء، بلا مأوى، فيما الكنائس قادرة على بناء مساكن لإيوائهم. لا يضرب الجوع والعوز أي مسؤول ديني، مسيحياً كان أم مسلماً. يجب ألا تُستغل زيارة البابا لإخفاء هذه الواجهة المظلمة.

إيجابياً، يحتاج لبنان إلى انفتاح ودعم عاجلين. وليس من المبالغة القول إنّ الأقلية المسيحية في العالمين العربي والإسلامي لا يجب التخلي عنها، حتى لا تُبتلع ضمن أكثرية مسلمة، أو تختفي تحت أنظمة هيمنة سلطوية ذات إلهام ظلامي وتوتاليتاري، على غرار بعض النماذج كالنموذج الأفغاني أو الإيراني. ومن لم يلاحظ في الآونة الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي تمسك اللبنانيين الشيعة والسنة والدروز بهذا التوجه، أي التمسك بالمسيحيين كهدية مقدمة للعالم العربي. ومن يجهل بعد أن المسيحيين هم مواطنون درجة ثانية في كافة الدول العربية، بمجرد أن يكون دين الدولة الإسلام، وبفعل مقولة الإسلام دين ودولة.

أما سلبياً، سيكون من الوهم انتظار دور بنّاء بالكامل من الفاتيكان ما لم يحلّ مشاكله الخاصة المذكورة سابقاً. وإلا فقد تتحول هذه الزيارة إلى أمر خطير: إذ ستساهم في إخفاء الحقائق، وتعمق الهوة بين الأغنياء والفقراء، وستعطي الحق لكارل ماركس حين قال «الدين أفيون الشعوب”.

مقالات الكاتب

جورج سعد

أستاذ في الجامعة اللبنانية.