يعاني لبنان من طفرة في إنشاء الهيئات الوطنية، التي غالباً ما تُوزّع التعيينات فيها كمكافآت سياسية على المحاسيب والأزلام، فيما تبقى بمعظمها معطّلة وعديمة الفعالية. وإن كان إنشاء هذه الهيئات يسهم – شكلياً – في تحسين تصنيف لبنان في مجال حقوق الإنسان، إلا أنّه يبقى الحدّ الأدنى المطلوب لتفادي الانحدار إلى أدنى مراتب الالتزام الدولي. إنّ الفشل المزمن في إدارة هذا الملف يفرض إعادة النظر في جدوى تلك الهيئات، والعودة إلى تفعيل السلطة القضائية بوصفها المرجعية الأصلية وصاحبة الصلاحية الطبيعية، ولا سيّما في قضايا “التعذيب” عند الموقوفين قيد التحقيق.
في هذا الإطار، أُنشئت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب بموجب القانون رقم 62/2016، كهيئة مستقلة تُعنى برصد أوضاع حقوق الإنسان في أماكن التوقيف والاحتجاز، ومنع التعذيب وسوء المعاملة. وقد منحها القانون صلاحيات واسعة تشمل الدخول غير المقيّد إلى أماكن الاحتجاز، وتنفيذ زيارات مفاجئة، وجمع المعلومات دون تدخّل من أي سلطة. وتُعدّ هذه الهيئة إحدى أبرز التزامات الدولة اللبنانية بموجب الاتفاقيات الدولية، ولا سيّما البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب (OPCAT)، إذ تشكّل أداة لتعزيز الشفافية والمساءلة وصون كرامة المحتجزين.
غير أنّ فعالية الهيئة الوطنية على أرض الواقع لا تزال محدودة رغم الصلاحيات الواسعة الممنوحة لها، إذ تفتقر إلى أدوات تنفيذية حقيقية، ما يجعل تأثيرها أقرب إلى الرمزية منه إلى الفعلية. وهنا تبرز أهمية دور القاضي العدلي، بوصفه خطّ الدفاع الأول عن كرامة الإنسان، ولا سيّما عند عرض الموقوفين أمامه. فالقاضي هو سلطة رقابية مستقلة، تقع على عاتقه مسؤولية رصد أي شبهة تعذيب أو سوء معاملة خلال التحقيقات الأولية، وأن يتحرّر من الشكليات، ويتحقق بدقة من ظروف التوقيف، ويطرح الأسئلة المناسبة، ويأمر بالتحقيق عند توافر المؤشرات، ويُحيل الموقوف فوراً إلى الطبيب الشرعي عند الحاجة. فغياب هذه المبادرة يُفرغ النصوص القانونية من مضمونها، ويُضعف ثقة الناس بالقضاء.
وفي هذا السياق، تُروى واقعة مهنية لافتة أمام محكمة التمييز الجزائية برئاسة القاضي رالف رياشي، خلال جلسة تتعلّق بقاصر خطير متهم بارتكاب جريمة قتل. عند مثوله أمام المحكمة، اشتكى القاصر من تعرّضه للضرب من قِبل عناصر الأمن أثناء سوقه إلى الجلسة، وكانت آثار الضرب بادية على يده. عندها، أمر الرئيس رياشي فوراً بفتح تحقيق، وطلب من القاصر التعرف إلى العنصر المعتدي، فتمّ استجوابه واتُّخذت بحقه الإجراءات القانونية المناسبة، وانتهى الأمر بفرض عقوبة السجن عليه.
فكم من قضايا مماثلة مرّت أمام قضاة آخرين دون أن تُحرّك ساكناً؟ لا يجوز أن تكون ضغوط العمل ذريعة لتبرير الانحراف عن موجبات الوظيفة. فالدفاع عن الحقوق يبدأ من قوس المحكمة، وأي تقاعس في هذا الدور هو خذلان لجوهر العدالة.
ويُستحضر في هذا السياق نموذج فاضح تمثّل في قضية الممثل زياد عيتاني، الذي أُدين بناءً على تحقيق غير مهني نفّذه أحد الأجهزة الأمنية، ما أدّى إلى انتهاك جسيم لحقوقه. وتأكيداً على مسؤولية الدولة والمؤسسات القضائية في ضمان المحاسبة، صدر عن مجلس شورى الدولة قرار بالغ الأهمية ألزم الدولة اللبنانية بالتعويض لعيتاني، في سابقة تُعزّز مبدأ إنصاف ضحايا التعذيب ومساءلة منتهكي الحقوق.
وفي الإطار نفسه، يُعدّ تعديل المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية حجر الزاوية في مسار تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، إذ كرّس حق المشتبه فيه في حضور محامٍ خلال التحقيقات الأولية، وأرسى مبدأ بطلان التحقيقات التي تُجرى خلافاً لأحكام القانون. إلا أنّ مراجعة الأحكام القضائية الصادرة في هذا المجال تكشف عن اجتهادات تميل إلى تبرير عدم إبطال التحقيقات حتى في حالات غياب المحامي عن جلسات الاستجواب، وهو منحى خطير يجب تداركه، لا سيّما في ظلّ رفض بعض الأجهزة الأمنية تطبيق المادة المذكورة أعلاه.
إنّ التغاضي عن مثل هذه المخالفات يُقوّض هيبة القضاء ويُضعف ثقة المواطنين به. ويجب التنبّه إلى أنّ حماية الإجراءات القانونية هي ركيزة أساسية لضمان عدالة حقيقية تُحصّن حقوق الأفراد وتمنع إفلات المرتكبين من العقاب.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن لأي نصّ قانوني، مهما بلغ من الرقي، أن يُحدث الأثر المطلوب ما لم يقترن بإرادة قضائية فاعلة وشجاعة. فدور القاضي العدلي يتجاوز التطبيق الحرفي للقانون، ليصبح حاملاً لقضية العدالة وراعياً للحقوق الأساسية. عليه أن يبادر ويراقب ويتحقق ويحاسب، لا أن يكتفي بالجلوس على مقعد المتفرّج. إنّ مكافحة التعذيب ومواجهة الانتهاكات وصون كرامة الإنسان ليست مسؤولية الهيئات الوطنية أو الاتفاقيات الدولية فحسب، بل هي أولاً وأساساً مهمة القاضي الوطني. فإمّا أن يكون القضاء الحصن الأخير للمواطن، أو يفقد المجتمع كله ثقته بالدولة ومؤسساتها. والرهان اليوم على قضاة يرفضون التسويات، ويؤمنون بأنّ العدالة ليست خياراً، بل واجب لا يقبل التنازل.

جان نمّور
محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.
يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.
