تحتفظ الذاكرة اللبنانية بحادثة استبعاد وادي النصارى، ذلك الإقليم المسيحي الواقع غربي حمص، من خريطة لبنان الكبير عام 1920، بوصفها لغزًا صغيرًا داخل اللغز الأكبر: كيف رُسمت حدود دولة وُلدت من رحم مجاعة وحرب وانتداب؟ وتتوزع الإجابة الشعبية على روايتين متقابلتين. تقول الأولى إن البطريرك إلياس الحويك، وهو يفاوض على جغرافيا الكيان الجديد، اختار أن يُبقي الوادي خارج الحدود حرصًا على توازن ديموغرافي وسياسي داخلي، إذ كان ضمّ سهوله الزراعية الغنية سيمنح لبنان الجديد سندًا اقتصاديًا ثمينًا، بينما كان انضمام سكانه سيخلط الحسابات الطائفية التي بُني عليها الكيان. وتقول الثانية إن أهل الوادي أنفسهم رفضوا الالتحاق بلبنان، خشية أن يجدوا أنفسهم أقلية أرثوذكسية تحت هيمنة كنسية مارونية لم تكن جزءاً من جغرافيا انتمائهم التاريخي ولا تراتبية ولائهم الروحي.
الإشكالية التي تطرحها هاتان الروايتان ليست إشكالية جغرافية بحتة، بل إشكالية في توزيع الفاعلية التاريخية: من كان صاحب القرار في رسم حدود 1920؟ البطريركية المارونية؟ الجماعات المحلية؟ أم سلطة الانتداب الفرنسي التي كانت تملك، في نهاية المطاف، القلم الذي خُط به القرار رقم 318؟ والإجابة عن هذا السؤال تستدعي العودة إلى الوثائق والمراجع التي تناولت تلك السنوات الحاسمة، لا إلى الروايتين الشعبيتين المتوارثتين.
يكشف نص مذكرة الحويك التي حملها إلى مؤتمر الصلح في باريس صيف 1919 عن طموح جغرافي واسع، لا عن نزعة انتقائية ضيقة. فقد بنى البطريرك حجته على أساس أن الكيان اللبناني المحاصر في الجبل، والذي كشفت المجاعة نقاط ضعفه الاقتصادية، لا يمكن أن يستمر ما لم يُمنح امتداده الطبيعي من سهول وموانئ وأنهار. وطبّق هذا المبدأ حرفيًا على مسار الأنهار المنبعثة من لبنان، فطالب بأن يبقى نهر العاصي، المنحدر من سفوح لبنان الشرقية والمصبّ في بحيرة حمص، ضمن حدود الدولة الوليدة حتى مصبه. وهذا المطلب، الموثّق في أرشيف بكركي والذي حمله المطران عبدالله الخوري عائدًا من باريس، كان يعني عمليًا أن حدود لبنان المرجوة كانت تصل إلى بحيرة حمص نفسها، أي إلى ما هو أبعد جغرافيًا من وادي النصارى.
هذا المطلب الاقتصادي-الجغرافي لم يكن ابتكارًا شخصيًا للحويك، بل امتدادًا لأطروحة فكرية سبقته بعقد من الزمن، صاغها بولس نجيم، الكاتب اللبناني الذي نشر تحت اسم مستعار هو م. جوبلان كتابه “المسألة اللبنانية” عام 1908، مستندًا إلى خرائط بعثة فرنسية علمية أُوفدت إلى المنطقة في ستينيات القرن التاسع عشر. تلك الأطروحة قامت على فكرة “الحدود الطبيعية والتاريخية” لجبل لبنان، وشكّلت الأساس الفكري الذي استند إليه الوفد اللبناني في باريس، والذي ترأسه الحويك، حين قدّم مطالبه بحدود واسعة تتجاوز حدود متصرفية جبل لبنان العثمانية بأشواط.
وحين صدر قرار المفوض السامي الجنرال هنري غورو، رقم 318 في 31 آب 1920، ظهر تصادم واضح بين ما طُلب وما مُنح. فالحدود الشمالية الشرقية لدولة لبنان الكبير رُسمت خطًا يمر قرب بحيرة حمص من دون أن يبلغها، تاركًا الوادي والبحيرة خارج الحدود اللبنانية، في ما يُعرف اليوم بالنتوء الحدودي الواقع شمال شرقي عكار. هذا الفارق بين طموح الحويك الموثّق وبين الخط الذي رسمته فرنسا فعليًا يقوّض فرضية أن البطريرك هو من استبعد الوادي بإرادته، إذ لم يكن ليطلب امتدادًا يتجاوز الوادي أصلًا لو كان يرغب في استبعاده.
يقدّم المؤرخ الإسرائيلي مائير زامير، في كتابه المرجعي “تكوّن لبنان الحديث” الصادر عام 1985، تفسيرًا أكثر انسجامًا مع الوقائع. فقد بيّن زامير أن قرار الحدود النهائي كان نتاج حسابات فرنسية متعددة الطبقات، تمزج بين رغبة باريس في مكافأة حلفائها الموارنة بكيان قابل للحياة اقتصاديًا، وبين هاجس استراتيجي أعمق يقضي بتفتيت ما كان يُعرف بـ”سورية الطبيعية” إلى دويلات صغيرة يسهل ضبطها: لبنان الكبير في الغرب، دولة دمشق ودولة حلب في الداخل، ثم دولة العلويين على الساحل السوري الشمالي بعد ذلك بقليل. ضم حوض نهر العاصي بكامله، بما فيه بحيرة حمص ووادي النصارى، إلى لبنان كان سيربك هذا التصميم الإداري، إذ كان سيدمج جزءًا من عمق حمص الداخلي بكيان ساحلي أريد له أن يبقى متمايزًا حدوديًا عن مراكز الثقل السنّي والعربي في الداخل السوري. القرار إذن لم يصدر عن رغبة الحويك أو نفوره، بل عن هندسة فرنسية استعمارية أوسع، تعاملت مع مطالب البطريرك كمادة تفاوضية وعدّلتها بما يخدم مصالحها الخاصة.
يبقى للرواية الثانية، رواية رفض أهل الوادي، سند سوسيولوجي حقيقي لا يمكن تجاهله رغم غياب أي مستند مكتوب. فوادي النصارى كان، ولا يزال، ذا غالبية أرثوذكسية لا مارونية، وله تقليد راسخ من الاستقلالية المحلية يعود إلى العهد العثماني، حين حكمته عائلات وأعيان محليون بعيدًا عن أي تبعية كنسية مختلفة. ولبنان الكبير، كما صاغه خطاب مؤسسيه الأوائل، لم يكن كيانًا محايد الهوية، بل حمل منذ ولادته طابع “الوطن المسيحي” بالمعنى الذي عبّر عنه إميل إده حين وصف لبنان بأنه “فوير كريتيان”، أي ملاذ لمسيحيي المشرق، مع مركزية مارونية واضحة في تمثيله وقيادته الروحية والسياسية.
في ظل هذا المناخ، يحتمل أن ينشأ تحفظ نخب الوادي عن الانضواء تحت كيان تتصدره بكركي ويكون أمرًا مفهومًا اجتماعيًا وسياسيًا، حتى لو لم يُترجم إلى موقف تفاوضي رسمي مسجّل في وثائق تلك المرحلة.
غير أن هذا التحفظ المحلي، مهما كان واقعيًا، لم يكن هو العامل الحاسم في رسم الخط النهائي، بل كان عاملًا مساعدًا انسجم مع منطق فرنسي أصلًا يميل إلى استبعاد الوادي عن الحدود اللبنانية لاعتبارات إدارية-استراتيجية سابقة على أي استفتاء لرغبة السكان. فرنسا لم تكن بحاجة إلى ضغط شعبي كي تُبقي الوادي خارج لبنان، لأن مصلحتها في الفصل بين الساحل والداخل كانت قائمة أصلًا، وموقف أهل الوادي، إن صحّ توصيفه بالرفض، جاء متزامنًا مع هذا التصميم الفرنسي أكثر مما كان مصدرًا له.
ما تكشفه إعادة قراءة هذه السردية المزدوج الحدّ، هو نمط أكبر يتكرر في الذاكرة اللبنانية حول تأسيس 1920: نزوع كل طرف إلى منح نفسه أو خصمه فاعلية تاريخية كاملة في لحظة كانت الفاعلية الحقيقية فيها موزعة بين بطريرك يطمح لأكثر مما ناله، وجماعات محلية تتحفظ من دون أن تُستشار رسميًا، وسلطة انتداب تمسك بالقلم وترسم الخط النهائي وفق حساباتها الخاصة.
الحدود التي أعلنها غورو في قصر الصنوبر في أول أيلول 1920 بقيت كما هي حتى اليوم، وفي هذا الثبات نفسه ما يستحق التأمل: كيان وُلد من تسوية مركّبة، وورث أجياله اللاحقة روايات مبسطة تبحث في من أراد وفي من رفض، متجاوزة السؤال الأعمق عمّن كان يملك، أصلًا، سلطة الرسم… ومن ملكها بعد ذلك حتى صمد هذا الكيان المركّب رغم غزارة الدماء.

