اقتصاد التجمع البشري في عصر الرقمنة: قراءة في ظاهرة «بي إن سبورتس»

ثمة قاعدة راسخة في اقتصاد المنصات الرقمية مفادها أن من يتحكم في الوصول يتحكم في القيمة. وفي عالم يتسابق فيه عمالقة التقنية على السيطرة الرقمية، تقف مجموعة «بي إن سبورتس» في موقع استثنائي بين النقيضين: إمبراطورية بث رقمية تمتلك ما عجز عنه كل عمالقة الأونلاين، وهو القدرة على الحضور في الواقع الجسدي. إنها لا تكتفي بمنح حقوق البث، بل تمتلك أدوات إنفاذ تلك الحقوق حتى في أصغر مقهى، وفي أنأى قرية، وفي دول لا ينفذ القانون فيها أصلاً.

هذه الخاصية وحدها تفصل «بي إن» عن مايكروسوفت وغوغل ونتفليكس وسواها. فهؤلاء يملكون الفضاء الرقمي، لكنهم لا يسيطرون على العالم المادي. أما «بي إن» فتملك الاثنين معاً.

المأزق الكبير لكل عمالقة الأونلاين واحد: القرصنة. مايكروسوفت تعرف هذا جيداً. ونتفليكس تحارب مشاركة الحسابات. ويوتيوب لا يستطيع إيقاف كل من يعيد نشر محتواه. فالإنترنت، في جوهره، مساحة حرة يصعب تسييجها.

ابتكرت «بي إن» معادلة مختلفة تماماً. فعندما يعرض مقهى في الجزائر، أو فندق في عمّان، مباراة عبر اشتراك مسروق أو إشارة منقولة بصورة غير مشروعة، لا تلجأ «بي إن» إلى القضاء فحسب، بل تملك آليات إنفاذ ميداني تجعل مخالفة العقد أشد كلفة من الامتثال له. وهي تجنّد في كل سوق من أسواقها شبكة رقابة تجارية لا وجود لها لدى أي منصة رقمية أخرى.

والنتيجة أن «بي إن» تحصل على عائدها مسبقاً، قبل أن تبدأ المباراة. وهذا ما يميزها جوهرياً عن نموذج الإعلان الرقمي الذي يراهن على النقر، أو نموذج الاشتراك الرقمي الذي يسهل التحايل عليه.

منذ كينز، يقيس الاقتصاديون أثر الإنفاق من خلال مضاعف الدخل. فالإنفاق الأولي يتكاثر عبر سلاسل من التأثيرات المتتالية في الاقتصاد الحقيقي. وتعمل «بي إن» بوصفها مضاعفاً تجارياً فريداً لا نظير له بين المنصات الرقمية.

حين تمتلك «بي إن» حقوق بث مباريات كأس العالم لكرة القدم في أربعين سوقاً عربية وأفريقية، فإن المشترك لا يدفع قيمة الاشتراك فحسب. فصاحب المقهى يشتري اشتراكاً تجارياً بسعر مضاعف، ويستأجر موظفين إضافيين طوال شهر كامل، ويطلب كمية أكبر من مورديه. والزبون يأتي ويستهلك ويبقى ساعات أطول. والمورد يزيد إنتاجه. أما صاحب رقعة الارض فيجد مستأجراً قادراً على دفع إيجار مرتفع لأن حركة زبائنه خلال هذا الشهر ستكون متوقعة ومنتظمة.

هذه السلسلة ليست افتراضية، بل واقع اقتصادي موثق في كل مدينة تحتضن ثقافة المشاهدة الجماعية للرياضة. والفارق الجوهري أن «بي إن» تستوفي حصتها مسبقاً قبل أن تبدأ الدورة الاقتصادية. إنها تسعّر الاحتمال لا الواقعة. أما أمازون ونتفليكس فيستوفيان حصتهما بعد أن يثبت الطلب، ودائماً في مواجهة قرصنة لا يستطيعان وقفها.

لفهم ما تمثله «بي إن»، يكفي أن نقارن نموذجها بمنافسيها الكبار.

فمايكروسوفت وغوغل يملكان البنية التحتية الرقمية للعالم، لكنهما يخضعان للقرصنة الواسعة. فنسخ «ويندوز» المقرصنة تُستخدم في كل مكان، ويوتيوب لا يستطيع إيقاف كل قناة تعيد نشر محتواه. وتكمن قوتهما الحقيقية في البيانات أكثر مما تكمن في الإنفاذ الميداني.

أما نتفليكس، فتجمع جمهوراً رقمياً في شقق ومنازل منعزلة، لكنها لا تولّد دورات اقتصادية في الفضاء المادي. فعندما يشاهد أحدهم مسلسلاً على نتفليكس، لا يشتري صاحب المقهى اشتراكاً إضافياً، ولا يستأجر موظفاً جديداً.

وأما أمازون وميتا، فهما تتحكمان في تدفق البضائع والإعلانات رقمياً، لكنهما لا تملكان أداة تجعل الامتثال التجاري في سوق نامٍ واقعة لا مفر منها.

أما «بي إن» فتملك ما عجز عنه الجميع: نقطة التجمع الجسدي للطلب. إنها تتحكم في الغرفة التي يجلس فيها الناس معاً، وفي التبادلات الاقتصادية الحقيقية التي تحدث داخلها؛ من طلبيات ومبيعات وبقاشيش وعقود وإيجارات.

القوة الحقيقية لأي منصة تقنية لا تتجلى في قدرتها على التفعيل، بل في قدرتها على المعاقبة. وهذا ما اكتشفته أمازون حين أصبح استبعاد التاجر من منصتها تهديداً وجودياً لنشاطه التجاري. وهذا أيضاً ما فعلته «بي إن» حين سحبت بثها عن سوق بأكمله خلال الأزمة الخليجية عام 2018.

وحين سحبت «بي إن» البث، لم يتضرر المسؤولون الذين اتخذوا القرار السياسي بقدر ما تضرر أصحاب المقاهي والفنادق والمطاعم الذين لا ناقة لهم في النزاع ولا جمل. فقد تحولوا إلى ورقة ضغط في معركة أسواق، يدفعون ثمن خلاف تجاري لم يكونوا طرفاً فيه.

وهنا يكمن ما يميز نموذج «بي إن» عن النماذج الرقمية التقليدية. فالمنصة الرقمية المعتادة ترفع السعر أو تقيّد الكمية. أما «بي إن» فتستخدم ورقة الإتاحة والحجب بأثر يصل إلى الاقتصاد الجسدي المحلي قبل أن يصل إلى القرار السياسي.

وتعرف المنصات الرقمية الكبرى جيداً أن الاقتصاد الجسدي ما زال أكبر من الاقتصاد الرقمي. ولهذا تتسابق أمازون إلى بناء المخازن وشبكات التوصيل، وتتسابق ميتا إلى تطوير نظارات الواقع الافتراضي، وتستثمر آبل مليارات الدولارات في المتاجر الفيزيائية.

لكن «بي إن» تحتل هذا الموقع بصورة طبيعية. فمفهوم السياحة الرياضية لديها أعمق مما يبدو للوهلة الأولى. فعندما يختار المسافر فندقاً بعينه لأنه يضمن مشاهدة مباراة حاسمة، أو عندما تُدرج وكالة سياحية في برنامجها أمسية لمتابعة نهائي أوروبي في مكان يحمل اشتراك «بي إن»، فإن المنصة تنجح في تحويل قرار رقمي إلى حركة اقتصادية جسدية.

وهذا ما لا تستطيعه نتفليكس، ولا يوتيوب، ولا أي منصة محتوى أخرى. فهي لا تحرّك البيانات فحسب، بل تحرّك الأجساد والناس والإنفاق والطلب.

ويذهب كثير من منظّري اقتصاد المنصات إلى أن شركات مثل أمازون وميتا وغوغل باتت تؤدي وظائف شبه سيادية؛ فهي تنظم الأسواق، وتضع قواعد المشاركة، وتحدد من يصل إلى من. وتفعل «بي إن» الشيء ذاته، لكن مع أثر اقتصادي جسدي إضافي.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل «بي إن» منصة أم دولة؟

السؤال الأهم هو: لماذا نجحت «بي إن» حيث يعجز عمالقة التقنية؟

والجواب يكمن في نقطة واحدة: إنها تمسك بالأرض. ليس مجازاً، بل حرفياً. فهي تمسك بالأرض في أصغر مقهى في أصغر قرية نائية، وتنفذ اتفاقياتها التجارية بأدوات لا تملكها أي منصة رقمية أخرى.

وحين تعجز مايكروسوفت عن وقف القرصنة في سوق نامية، تتقدم «بي إن» بنموذج مختلف يقوم ليس فقط على حماية المحتوى رقمياً، بل على الحضور الجسدي داخل السوق نفسها.

وفي نهاية المطاف، تقدم «بي إن سبورتس» درساً بالغ الأهمية لعمالقة التقنية: فالهيمنة الرقمية لا تكتمل بلا قبضة جسدية. والقيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد المشتركين الرقميين، بل بالقدرة على تحويل القرار الرقمي إلى حركة اقتصادية في العالم المادي.

فمن يتحكم في ما يشاهده الناس معاً، وفي الأماكن التي يجتمعون فيها، وفي اللحظات التي يلتقون لأجلها، يتحكم في شيء يعجز عنه عالم الأونلاين بأسره: الاقتصاد الحقيقي للتجمع البشري.

وربما يكون هذا وحده كافياً لفهم معنى كلمة «منصة» في عصر ما بعد الرقمنة.

 

مقالات الكاتب
د. بيار الخوري
كاتب في الاقتصاد السياسي.