مستشفى الحريري… تكريم أم تطبيع مع الفساد؟

شاركتم، معالي وزير الصحة العامة، في احتفال تكريمي في مستشفى رفيق الحريري الجامعي الحكومي لموظفين أمضوا عشرين عاماً في الخدمة وما زالوا على رأس عملهم. وقد قُدِّم الحدث على أنه تقدير للالتزام الوظيفي داخل أحد أهم المرافق الصحية العامة في لبنان.

لكن ما قمتم به، سياسياً وإدارياً، لا يمكن توصيفه على أنه تكريم بريء، إذ جرى في ظل وقائع رقابية وقضائية لا يمكن تجاهلها.

هل اطّلعتم، معالي الوزير، على ملفات المكرَّمين؟ وهل اطّلعتم على أن بعض الموظفين الذين شملهم هذا التكريم فُرضت بحقهم عقوبات تأديبية صادرة عن هيئة التفتيش المركزي، في ملفات فساد موثّقة، أبرزها ملف تزوير أدوية السرطان المعروف بـ«الصندوق الأسود»؟ وهي ملفات لم تُقفل قضائيًا حتى تاريخه، إذ لا يزال بعضها عالقاً أمام القضاء المختص، وبعضها الآخر قيد الدرس في ديوان المحاسبة، وسط مخاوف جدية من إسقاطها بمرور الزمن الخماسي بدل البتّ بها ومحاسبة المرتكبين.

هذا وقد أُقيم الاحتفال برعاية مدير عام ورئيس مجلس إدارة المستشفى، الذي جرى تعيينه خلافاً للقانون، ومن دون استيفاء الشروط القانونية المطلوبة لهذا المنصب.

تفاخرتم، معالي الوزير، أيضاً بالإعلان عن دعم مالي وتجهيزات طبية تتجاوز 10 ملايين دولار، إضافة إلى 4 ملايين دولار نقداً من القروض الدولية، والسعي للحصول على مساهمة بقيمة 15 مليون دولار من الصندوق القطري للتنمية لترميم المستشفى، مع الإعلان عن رفع عدد الأسرّة العاملة إلى 140 سريراً بعد إضافة 27 سريراً جديداً. لكن هل تجرّأ أحد في وزارتكم على إبلاغكم بأن القدرة الاستيعابية الفعلية للمستشفى تتجاوز 500 سرير غير مُشغَّل؟ ولماذا تُركت هذه الإمكانات خارج الخدمة؟ وهل سألتم لماذا يُضخ المال العام في مؤسسة عاجزة إدارياً عن تشغيل بنيتها الأساسية؟

الدعم من دون إصلاح بنيوي هو استمرار في تغطية فشل إداري مزمن. فالمستشفى يعاني من فائض توظيف يتجاوز 500 وظيفة، في مخالفة صريحة للمعايير القانونية المعتمدة لكل سرير شغّال. وقد أُدخل هؤلاء الموظفون إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي رغم عدم قانونية توظيفهم، ما أدّى إلى تراكم أعباء مالية ضخمة على المستشفى، وكان من الأسباب الرئيسية لإلغاء عقود الضمان عدم تسديد المستحقات المالية، الأمر الذي أدّى إلى حرمان آلاف المواطنين المضمونين من حقهم في الاستشفاء.

ولا بدّ من التذكير بأن هيئة التفتيش المركزي كانت قد تحرّكت رسمياً منذ عام 2017، حيث صدر قرار بتشكيل لجنة تحقيق خاصة في آب من ذلك العام لمتابعة ملف المستشفى على خلفية تجاوزات مالية وإدارية جسيمة، والمخالفات المرتبطة بقرار ديوان المحاسبة رقم 21/ق (مؤقت) تاريخ 12/6/2017، فضلاً عن أي مخالفات أخرى، على أن تُنجز اللجنة مهامها خلال مهلة شهر من تاريخه.

ومن هنا، نتوجّه إلى رئيس هيئة التفتيش المركزي بالسؤال عن مصير لجنة التحقيق الخاصة ونتائج أعمالها، ولماذا لم تُنشر للرأي العام، ولماذا لم تُحال المسؤوليات إلى المراجع المختصة، رغم مرور أكثر من سبع سنوات على فتح الملف، وهل جُمِّدت هذه القضايا أو تُركت عمدًا لتسقط بمرور الزمن بدل استكمال مسار المحاسبة.

معالي الوزير، هذه ليست إدارة قطاع صحي، بل تطبيع رسمي مع واقع فاسد. وما قمتم به لا يسيء فقط إلى مفهوم الإصلاح، بل يضرب ما تبقّى من ثقة المواطنين بالمستشفى الحكومي، ويُحمّل الفقراء كلفة فساد لم يكونوا يوماً شركاء فيه.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.