عندما تحضر السياسة على السجادة الحمراء

إطلالات هادفة برسائل مبطنة

 

قد تفرض المهرجانات الكبرى قواعد صارمة تتعلق بإطلالات المشاهير على السجادة الحمراء. وقد تضع معايير معينة تتعلق بشكل خاص بأصول اللباس، كما في مهرجان “كان” السينمائي الذي تفرض إدارته معايير معينة هدفها تنظيم الإطلالات عبر منع العري بالدرجة الأولى، وتوفير إطلالات لائقة للمناسبة. إلا أن المعايير التي تفرضها هذه المهرجانات الكبرى لا تقتصر على تنظيم الإطلالات لأسباب جمالية ولضمان الأناقة والانضباط، بل هي تحرص أيضاً على عدم تعاطي السياسة وتدعو الحضور على الالتزام بقواعد معينة على السجادة الحمراء بهدف إبعاد السياسة عن هذه الفعاليات. لكن السياسة تطرق أبواب هذه المهرجانات على الرغم من ذلك، فإذا بالسجادة الحمراء تتحوّل إلى مساحة للتمرد والتعبير عن مواقف وآراء من خلال رسائل إنسانية أو سياسية او إجتماعية، ولو كانت مبطنة أحياناً.

رسائل مبطنة في إطلالات هادفة

في كثير من الأحيان، وعلى الرغم من توصيات القيمين على المهرجانات والقواعد التي يفرضونها، تحمل إطلالات المشاهير على السجادة الحمراء رسائل سياسية أو إنسانية. فيستخدمون إطلالاتهم المميزة وأزياءهم كمنصات للتعبير عن مواقفهم وآرائهم من خلال رسائل مبطنة. قد تهدف رسالة ما إلى لفت النظر إلى ظاهرة عالمية مثل تغير المناخ أو حماية البيئة، أو ربما يكون الهدف منها دعم قضايا هامة مثل حقوق المرأة، أو دعم اللاجئين، أو يمكن أن يسعى من يعتمدها إلى نقل رسائل سياسية أو مواقف معينة في السياسة مثل دعم فلسطين، خصوصاً في السنوات الأخيرة. فتماماً كما يمكن أن تحمل الأفلام التي تعرض في المهرجانات السينمائية رسائل منوعة، لا تقل إطلالات النجوم رمزية في هذه الفعاليات.

اللافت مثلاً أنه منذ تأسيس مهرجان “كان” في عام 1946، وعلى الرغم من القواعد الصارمة التي تُفرض فيها، تحوّل إلى مزيج من الجمال والقوة الرمزية والتمرد، ولم يعد مجرد تظاهرة فنية. شيئاً فشيئاً، تحولت السجادة الحمراء من منصة للأناقة إلى مساحة للتحدي والتمرد. وبدا واضحاً أن القواعد الصارمة التي يفرضها القيمون على هذه المهرجانات لتنظيم الإطلالات وتجنب الجدل والمشكلات، لم تنجح في منع البعض من التعبير عن آرائهم ومواقفهم من خلال الرسائل الرمزية المثيرة للجدل التي ينقلونها في إطلالاتهم.

بحسب خبيرة المظهر عليا المنلى، يمكن أن تتحوّل الأزياء إلى رسائل هادفة بالفعل على السجادة الحمراء، رغم أن القوانين التقليدية للسجادة الحمراء في المهرجانات غالباً ما تشجّع على الحياد السياسي أو الاجتماعي بحيث تكون الإطلالة للموضة أو الفن فقط، وليس لمواقف سياسية أو اجتماعية. وفي كثير من الأحيان تكون هناك شروط غير مكتوبة أو لا يكون هناك تعبير واضح عنها، لكن يمكن أيضاً أن تكون القواعد مكتوبة أحياناً وتتعلق بقوانين و سياسات السجادة الحمراء. فبعض الفعاليات على السجادة الحمراء أو في المهرجانات العالمية، تكون لديها قواعد واضحة تمنع أي ملابس أو رموز قد تُفسّر كتعبير سياسي، ديني، أو اجتماعي، حفاظاً على الطابع الفني البحت للحدث، و من أبرز هذه النقاط التي تشدد عليها: الحياد السياسي والاجتماعي؛ والتركيز على الفن والموضة.

“إن استخدام الرموز، الألوان، أو الكلمات التي تُفهم ضمنياً بأنها تدعم حركة أو قضية ما، قد يُعتبر خرقًا لهذه القواعد، خاصة في الأحداث الرسمية التي تسعى لتفادي الجدل السياسي. فقد لا يصرّح المشاهير علناً أو بشكل واضح عن موقف سياسي في الحالات العادية، لكن الجماهير تكون قادرة على فهم الرسائل، ويمكن للإعلام تفسير الإطلالات ومنحها قراءات تتجاوز الموضة وحدها”.

مواقف واضحة من المشاهير

في السنوات الأخيرة، باتت السجادة الحمراء أكثر من مجرد منصة للموضة، وأصبحت مساحةً للإعلان الرمزي، وللتصريحات الاجتماعية والسياسية، وأحياناً التحدّي لقيود القواعد التقليدية. هذا ما حصل في جوائز الأيمي 2025، حيث ظهرت بعض النجمات وهن يحملن ملاحظات مكتوبة بخط اليد مثل كلمة “ceasefire” كرد مباشر على الحرب في غزة. كذلك ارتدى خافيير بارديم الكوفية، كرمز سياسي وثقافي له دلالات كبيرة في الشرق الأوسط. في حين ارتدت سيدني سوييني خلال الحفل نفسه، فستاناً أحمر صارخاً أثار جدلاً واسعاً. وقد رأى البعض أن وراء هذا الاختيار رسائل سياسية معينة، ما جعلها تقع في قلب نقاش حول رموز ودلالات اللون الأحمر.

من الإطلالات اللافتة أيضاً تلك التي اعتمدتها العارضة الإيرانية الأصل ماهلاغا جابري عندما أطلت على السجادة الحمراء بفستان أسود يربط بالرقبة بما يشبه حبل المشنقة كرسالة موجهة تتعلق بالإعدامات في إيران والقمع الذي تواجهه النساء منذ الثورة الإسلامية لعام 1979. أثارت تلك الإطلالة جدلاً واسعاً في عام 2023 بما أنه لا يُسمح بالتعليقات السياسية في مهرجان “كان” السينمائي، خصوصاً بعد أن صرحت العارضة علناً عبر حسابها على “انستقرام” أنها أرادت لفت انتباه الإعلام إلى عمليات الإعدام غير المشروعة للشعب الإيراني. كما أعلنت أن الأمن منعها من إظهار الفستان من الخلف لأن التصريحات السياسية غير مسموحة في مهرجان الأفلام، وإن كان معنى حبل المشنقة واضحاً. علماً ان إيران هي ثاني أكبر دولة في العالم بعد الصين تنفيذاً للإعدام.

كذلك في مهرجان كان السينمائي 2024، اعتمدت كيت بلانشيت إطلالة لافتة وجريئة بدلالاتها السياسية. فظهرت بفستان بألوان الأسود والأبيض والأخضر، وعندما مشت على السجادة الحمراء امتزج مع اللون الأحمر ليتشكل العلم الفلسطيني في رسالة واضحة لدعم غزة.

أيضاً في كان 2024، ارتدت بيلا حديد فستاناً مستوحى من الكوفية، ما اعتُبر من قبل البعض دعماً صامتاً للقضية الفلسطينية، خصوصاً مع استمرارية استخدامها لرموز تأييد للقضية في إطلالاتها العامة.

عندما يكون الهدف إنسانياً

قد لا تكون الرسالة الخفية من وراء إطلالات المشاهير على السجادة الحمراء سياسية دوماً، بل يمكن أن يكون الهدف من الإطلالة نقل رسالة اجتماعية معينة كما في حفل Academy Awards لعام 2020 عندما ارتدت الممثلة ناتالي بورتمان كاب أسود من ديور حمل أسماء ثمانية من المخرجات النساء وهن غريتا غيرويغ، ولول وانغ، ولورين سكافاريا، وماتي ديوب، وألما هاريل، وماريال هيلير، وميلينا ماتسوكاس، وسيلين سكياما، اللواتي لم تُرشّح أسماءهن بل تم اختيار مخرجين رجال بدلاً منهن رغم الأعمال المميزة التي قدمنها. أرادت بورتمان من خلال هذه الإطلالة أن تنقل رسالة مبطنة بأسلوب ذكي ومبهم لتسليط الضوء على أعمالهن.

كذلك، اعتمدت العديد من النجمات على إطلالاتهن على السجادة الحمراء للتعبير عن دعمهن للمرأة والمساواة بين الجنسين، سواء من خلال رسائل مباشرة أو رمزية.

انطلاقاً من هذه الإطلالات وغيرها، يبدو واضحاً أن السجادة الحمراء لم تعد مجرد ساحة للأزياء، بل أصبحت منبراً لإيصال رسائل قد تثير الجدل، خصوصاً وأن منظّمي الفعاليات يفضّلون عادةً إطلالات محايدة تركز على الفن والموضة بعيداً عن السياسة، وفق المنلا.

وعلى الرغم من ذلك، فبوجود هذه “الخروقات” غالباً ما يكون لهذه الإطلالات صدى واسعاً في الإعلام، وتتحوّل الإطلالة إلى موضوع نقاش عالمي. لذلك، جعلت السجادة الحمراء منصة للتعبير عن قضايا اجتماعية هامة، و جعلت دور الموضة وسيلة للتواصل والتأثير. وصحيح أن الأثر الذي لهذه الرسائل قد يكون محدوداً ويقتصر الجدل حولها على فترة قصيرة تنشغل بها وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، لكنها تعبّر على الأقل عن آراء وتكشف مواقف من ينقلونها وتسلط الضوء على هذه القضايا الهامة، علّ ذلك يساهم بمعالجتها بجدية في يوم من الأيام.

 

 

 

 

 

مقالات الكاتب

كارين اليان

صحافية متخصصة في مجالات الصحة والموضة والتحقيقات الاجتماعية، تعمل في مؤسسات إعلامية لبنانية وعربية.