Night To Shine برعاية مركز Skild… فسحة أمل واعتزاز لذوي الاحتياجات الخاصة

لا تشبه ليلة عيد الحب هذا العام السهرات التقليدية التي تُقام لهذه المناسبة. ففي النسخة السابعة من سهرة Night To Shine، التي أطلقتها مؤسسة Tim Tebow Foundation للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، كان للحب شكلٌ آخر.

اجتمع كل هذا الحب في مساحة واحدة ضمّت 81 شابًا وصبية من ذوي الاحتياجات الخاصة، في ليلة تكريمية لهم، جرى خلالها الاحتفاء بهم في حفل تخرّج جمع أحلامهم كلّها في مكان واحد. كانت التفاصيل حاضرة بكل أبعادها، من محطات خُصّصت للماكياج وتصفيف الشعر، إلى أنشطة متنوعة مثل تحضير علب الشوكولا الخاصة بعيد الحب، وصولًا إلى زاوية تلميع الأحذية للشباب، استعدادًا لتتويجهم ملوكًا إلى جانب ملكات استعددن للمناسبة بأثواب الأميرات.

في هذه المناسبة، كان الحب حاضرًا تكريمًا لمن أهملت الدولة حقوقهم، وتغاضت عن تأمين احتياجاتهم، ولا سيّما في ظل الأزمات الأخيرة.

فرح وتكريم واعتزاز

للمرة الأولى منذ سبع سنوات، بلغ عدد الجمعيات المتخصصة التي تُعنى بذوي الاحتياجات الخاصة المشاركة في الحفل 18 جمعية. وكان الهدف من هذا اللقاء منح هؤلاء الشباب تجربة لا تُنسى، يكون محورها الحب والكرامة والفرح.

هي ليلة حلم نظّمها مركز Skilled Center في لبنان، لتكون جزءًا من مبادرة عالمية أطلقها لاعب كرة القدم الأميركية الشهير Tim Tebow، تأكيدًا على المحبة غير المشروطة لمختلف فئات المجتمع، ومنهم ذوو الاحتياجات الخاصة، ولتكريمهم في أمسية يُعامَلون فيها كملوك، بغضّ النظر عن قدراتهم.

كانت تجربة مميّزة لهؤلاء الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 14 سنة وما فوق، استطاعت أن تبث الفرح الحقيقي في قلوبهم. فتألّقوا فيها، ومشوا على السجادة الحمراء أمام ومضات الكاميرات، وسط تصفيق الحضور من أهالٍ ومنظّمين ومتطوّعين رافقوهم، ليتوَّجوا ويحتفلوا بالرقص، بعد التبرّج وتصفيف الشعر والمشاركة في مختلف الأنشطة التي أُعدّت خصيصًا لهم.

فكيف لهم ألّا يترقّبوا هذا الاحتفال الأقرب إلى قلوبهم في كل عام؟ خصوصًا أنّ الفرصة قد لا تسنح لهم للمشاركة في مناسبات مماثلة يعيشون خلالها تجربة لا تُنسى مرةً أخرى. هذا ما أكّده في حديثه مارون من مؤسسة الينبوع، الذي يتميّز بموهبة الغناء، إذ تحدّث بحماسة كبيرة عن هذا اليوم، مشيرًا إلى أنّه يشكّل النشاط المفضّل له في حياته، ومؤكّدًا السعادة الكبرى التي يعيشها في هذه المناسبة.

كذلك تحدّثت إيستيل، أثناء تحضير الشوكولا في أحد أنشطة الحفل، وبعد أن صفّفت شعرها وتزيّنت بالماكياج الناعم، عن سعادة لا توصف بمشاركتها في هذا الاحتفال، والمتعة التي تجدها فيه. علمًا أنّها تتابع دراستها حاليًا في جامعة Notre Dame University–Louaize (NDU)، حيث يوجد برنامج مخصّص لتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة.

حدث لن يتكرر في الحياة

تُعتبر هذه المناسبة بمثابة فسحة أمل للأهل، كما لأبنائهم من ذوي الاحتياجات الخاصة. ففي لبنان، تتكاثر التحديات التي يواجهها هؤلاء، وكأنهم يبذلون جهودًا مضاعفة في ظل غياب السياسات التي يفترض بالدولة وضعها لحماية حقوقهم. إلا أنّ مجمل المساعي التي تبذلها المؤسسات والمراكز المعنية بهذا المجال ساهمت، إلى حدٍّ ما، في التخفيف من الأعباء الملقاة على عاتقهم، وفي نشر الوعي وتحسين سبل التشخيص والمتابعة.

بيتي معماري هي أمّ لشاب مصاب بالتوحّد، وتوضح أنّها لم تكن لتحضر حفل تخرّج ابنها لولا إقامة حفل Night To Shine، الذي حقّق هذا الحلم لها ولابنها معًا. فتستعيد مشاعرها كأم أمام سعادة ابنها في مناسبة تحقّقت فيها أحلامه، بفضل هذه المبادرة التي تهدف إلى تحقيق حلم الشباب والأهل الذين قد لا تتاح لهم فرصة مشاهدة تخرّج أبنائهم في ظروف طبيعية.

في الوقت نفسه، تعبّر معماري بحزن عن الإجحاف اللاحق بذوي الاحتياجات الخاصة في لبنان، معتبرةً أنّ هذه المبادرات، على أهميتها، تبقى ناقصة ومحدودة في ظل غياب استراتيجيات الدولة والسياسات العامة التي من شأنها صون حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة. وتتحدّث عن ابنها، البالغ من العمر 22 عامًا، الذي يمكث في المنزل من دون عمل، إذ لم يعد من الممكن تقديم المزيد له في ظل انعدام فرص العمل المتاحة للأشخاص الذين هم في وضع مشابه. فيبدو المستقبل قاتمًا ومقلقًا له ولعائلته، ورغم وجود قانون لبناني خاص بذوي الاحتياجات الخاصة، يغيب التطبيق الفعلي على أرض الواقع، فلا حقوق تُحمى ولا ضمانات تُنفّذ.

ولولا جهود الأهل وحرصهم على نشر الوعي بالتعاون مع مراكز وجمعيات، مثل Skild Center، لكان الأهل والأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة يكافحون بمفردهم، في ظل غياب أي مبادرات رسمية أو سياسات عامة تهدف إلى حمايتهم، وصون حقوقهم، ومساندتهم بوصفهم أفرادًا في هذا المجتمع يشكّلون جزءًا لا يتجزأ منه. وفي إطار عملها مع “سكيلد”، تساهم معماري في دعم الأهل الذين لديهم أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة.

ولا تُنكر أنّه، بالعودة سنوات إلى الوراء، حين كان ابنها طفلًا، كان الواقع أشدّ قسوة، والتحديات التي واجهتها أكبر بكثير. أمّا اليوم، فثمّة عدد أكبر من المؤسسات والمراكز التي توفّر الدعم والتوعية، إضافة إلى ارتفاع مستوى الوعي العام في هذا المجال. كما بات التقويم والتشخيص يُنجزان بشكل أفضل، ما يسمح بمتابعة أكثر فاعلية، في حين كانت العائلات التي لديها حالات مماثلة تُعامل في السابق وكأنها حقل تجارب، في ظل غياب المعرفة الكافية والخبرات المتخصصة.

اليوم، تطلق معماري صرخة تحمل الكثير من الأسى، بصفتها أمًّا لشاب من ذوي الاحتياجات الخاصة، مطالبةً بتوفير فرص العمل التي يحتاجها هؤلاء الشباب، إلى جانب مدارس تؤمّن تعليمًا مناسبًا ودامجًا للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، بما يضمن مستقبلًا أفضل لهم. وتشير إلى أنّ الوعي لدى الشركات لا يزال محدودًا في ما يتعلّق بدمج هؤلاء الأفراد في سوق العمل، كما أنّ القوانين لا تُطبّق، في حين أنّ هؤلاء الأشخاص بحاجة ماسّة إلى فرص عمل ملائمة تمكّنهم من متابعة حياتهم بكرامة واستقلالية.

من جهتها، تحدّثت الاختصاصية في المعالجة النفسية، ومسؤولة التقويم والتشخيص في مركز Skild، هنا شقير، عن هذا الحدث الذي يضمّ سنويًا، منذ سبعة أعوام، شبابًا من ذوي الاحتياجات الخاصة ومن الذين يعانون صعوبات تعلّمية. وتستضيف هذه المناسبة في كل دورة مؤسسات مختلفة وأشخاصًا متنوّعين، بهدف إدخال الفرح إلى قلوب المشاركين من خلال أنشطة متعددة يستمتعون بها، إلى جانب السهرة الراقصة التي يشاركون فيها مشاهيرَ يتقاسمون معهم لحظات الفرح، بعد أن يُتوَّجوا ملوكًا وملكات.

وبهذه الطريقة، يشعر هؤلاء الشباب بأهميتهم وبأنّ هناك من يحبّهم ويفكّر بهم، ولا سيّما أنّ الواقع اللبناني يشهد إجحافًا بحق المواطن عمومًا، فكيف الحال بالنسبة إلى هذه الفئة التي يُعدّ أفرادها من الأكثر ضعفًا وتهميشًا؟ وتشير شقير إلى أنّ مركز سكيلد عمل على مدى سنوات طويلة على دمج هؤلاء الأشخاص، سواء في المدارس أو، في المرحلة الراهنة، في جامعة Notre Dame University–Louaize، من خلال برنامج خاص لمن يعانون صعوبات تعلّمية، يتضمّن مسارًا تدريجيًا قائمًا على التعليم والتدريب داخل الجامعة، بهدف إفساح المجال أمام تأمين فرص العمل التي يحتاجون إليها. وتضيف: «تبقى هذه الجهود محدودة ضمن إطار ضيّق في ظل غياب سياسات الدولة. نحن نحاول، قدر الإمكان، إحداث فارق حقيقي في حياة هذه الفئة، إلا أنّ المطلوب هو تدخّل جدي من الدولة، ومع ذلك فإن ما يتم تحقيقه يبقى أفضل من لا شيء».

كانت الفرحة في السهرة عصيّة على الوصف، في ظل انشغال الجميع بالتنقّل من محطة إلى أخرى للاستمتاع بكل ما هو متاح، والاستفادة من مناسبة لا تتكرّر لهم دائمًا، على وقع موسيقى تدعو إلى الرقص والمتعة. وكانت من أجمل اللحظات تلك التي ساروا فيها وسط الهتافات خلال لحظة التتويج، بحضور الممثلة إلسا زغيب، التي تحرص على المشاركة سنويًا في هذا النشاط.

كما شارك الإعلامي ميشال قزي الشباب فرحتهم في مختلف الأنشطة، ورقص معهم، متحدثًا عن أهمية هذه المناسبة، ومؤكدًا ما تحقّقه لهم من أحلام طال انتظارها. وعبّر عن سعادته بالمشاركة في هذا الحفل إلى جانب الجمعيات المعنية بذوي الاحتياجات الخاصة، مشيرًا إلى أنّ هؤلاء لا ينالون حقوقهم في لبنان، ويُعدّون من الفئات المظلومة في البلاد. واعتبر أنّ هذه المناسبة تشكّل فرصة حقيقية لتكريمهم والاحتفاء بهم.

أما على مستوى الجمعيات، فقد أكّد قزي دورها المحوري، مسلّطًا الضوء على الجهود الكبيرة التي تبذلها في ظل غياب أي مساهمة فعلية من الدولة. وفي هذا اللقاء الذي يجمع عددًا كبيرًا من الجمعيات، يشعر هؤلاء الشباب، على حدّ تعبيره، وكأنّهم يتخرّجون من المدرسة أو الجامعة، ما يولّد لديهم مشاعر إيجابية عميقة ويعزّز إحساسهم بالاعتزاز، في ظل أنشطة عديدة يحبّونها ويجدون فيها مساحة للتعبير عن أنفسهم. وأضاف: «هذه المناسبة هي تحقيق لأحلامهم، وتولّد سعادة كبرى في قلوبهم، على أمل أن تتكرّر مثل هذه المبادرات، وأن تكون من هذا النوع متوافرة دائمًا، تقديرًا وتكريمًا لهم، لأنهم يستحقّون ذلك».

مقالات الكاتب

كارين اليان

صحافية متخصصة في مجالات الصحة والموضة والتحقيقات الاجتماعية، تعمل في مؤسسات إعلامية لبنانية وعربية.