من رهان إسقاط النظام في طهران… إلى اهتزاز الداخل في واشنطن

في لعبة الأمم، لا تسير الرهانات دائماً وفق ما يُخطَّط لها في غرف القرار. فالمعادلات التي تُبنى على فرضيات السيطرة والتحكّم غالباً ما تصطدم بواقع أكثر تعقيداً، حيث تتداخل المجتمعات وتتشابك الأزمات وتتحوّل الأدوات إلى نتائج معاكسة.

هذا ما يمكن استقراؤه من المشهد الراهن، حيث كان الهدف المعلن وغير المعلن لبعض دوائر القرار في الولايات المتحدة وإسرائيل دفع الاحتجاجات داخل إيران نحو نقطة الانفجار الكبير، بما يمهّد لإضعاف النظام وصولاً إلى إسقاطه. لكن المفارقة أن شرارة الاضطراب، بدلاً من أن تستقر هناك، ارتدّت إلى الداخل الأميركي نفسه.

هذا التحوّل هو دلالة على خلل أعمق في تقدير ديناميات المجتمعات. فإيران، رغم الضغوط الاقتصادية والعقوبات الطويلة والضربات الأخيرة القاسية، أظهرت قدراً كبيراً من التماسك البنيوي الصلب، حيث لعبت الدولة العميقة، والهوية السياسية، وعوامل الأمن القومي والاستخباراتي دوراً في احتواء صدمة الضربات الهجومية، ومقتل قادة النظام، وموجات الغضب، ومنعها من التحوّل إلى تهديد وجودي للنظام.

في المقابل، بدت الساحة الأميركية أكثر هشاشة ممّا يُروَّج لها، إذ سرعان ما تحوّلت التوترات الداخلية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية إلى احتجاجات واسعة في عدد من الولايات، كاشفةً عن انقسامات عميقة في البنية المجتمعية.

الدلالة الأبرز هنا تكمن في أن «تصدير الفوضى» لم يعد مساراً أحادي الاتجاه. فالعولمة، التي منحت القوى الكبرى أدوات نفوذ غير مسبوقة، جعلت، في الوقت نفسه، مجتمعاتها مكشوفة أمام ارتدادات هذه السياسات. فالإعلام، ومنصات التواصل، والتشابك الاقتصادي، كلّها عوامل تُسرِّع في انتقال الأزمات، وتعيد إنتاجها في بيئات مختلفة. وهكذا، يصبح من الصعب احتواء تداعيات أي استراتيجية ضغط خارجية من دون أن تترك بصماتها في الداخل.

أما على مستوى التماسك المجتمعي، فتبرز مفارقة لافتة. ففي حين يُنظر إلى المجتمع الأميركي تقليدياً بوصفه أحد أكثر المجتمعات استقراراً، فإن تعدّديته الهجينة، وانقساماته السياسية الحادة، خصوصاً في السنوات الأخيرة، جعلته عرضة لتفجّر احتجاجات سريعة الاتساع. في المقابل، ورغم التباينات داخل المجتمع الإيراني، فإن وجود «سقف وطني» مرتبط بفكرة السيادة ومواجهة الخارج ساهم في الحد من انزلاق الاحتجاجات نحو الفوضى الشاملة.

تداعيات هذا المشهد تتجاوز حدود الدولتين. إقليمياً، تعزّز هذه التطورات موقع إيران التفاوضي، إذ تظهر بمظهر الدولة القادرة على الصمود، بينما تضعف صورة خصومها بوصفهم قوى قادرة على إعادة تشكيل الداخل الإيراني. أما دولياً، فتطرح هذه الحالة أسئلة جدّية حول فعالية سياسات الضغط القصوى، ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها من دون كلفة عكسية.

وعليه، فإن ما نشهده اليوم  هو مؤشر على تحوّل أعمق في طبيعة الصراع الدولي. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بالقدرة على التأثير في الخارج، بل أيضاً بالقدرة على حماية الداخل من ارتدادات هذا التأثير. وبينما تستمر «صراعات العروش» في إعادة تشكيل العالم، يبدو أن الدرس الأهم هو أن من يحاول إشعال الحرائق بعيداً، عليه أن يستعد لاحتمال اندلاعها في ساحته أولاً.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.