في كل لحظة، تتغيّر خرائط السيطرة في سوريا مع تسارع الأحداث الميدانية في الشمال السوري، لتعيد معها رسم التوازنات السياسية والعسكرية في «سوريا الجديدة»، في ظل توزيع جديد لخرائط النفوذ ما بين واشنطن وحليفها الجديد أحمد الشرع.
تخوض قوات سوريا الديمقراطية (قسد) معركة «النَفَس الأخير» في آخر جيوبها المتبقية على الخارطة السورية، بعد أن خسرت مناطقها في شرق سوريا، في حين تواصل الدولة السورية تقدمها على مساحات كانت تسيطر عليها «قسد».
ليس خافيًا أن الانهيار السريع لقوات «قسد» في الشمال السوري لم يكن ليحدث لولا تخلي واشنطن عن زناد «قسد» لصالح أحمد الشرع. فمع تحوّل مقاربة الإدارة الأميركية وخذلان «حليفها القديم» قوات سوريا الديمقراطية، أُربكت حسابات «قسد» واختلطت الأوراق مجددًا في المشهد السوري.
واشنطن: نحب الأكراد… ولكن!
لم يكن صعبًا فك شيفرة تصريح سيد البيت الأبيض دونالد ترامب بقوله إن بلاده تسعى لحماية الأكراد في سوريا، لكنه في الوقت نفسه انتقد استحواذهم على النفط والموارد. فـ«قسد»، ومن خلفها الحركة الكردية في سوريا، أدركوا أن واشنطن تخلّت عنهم بعد 11 عامًا من التحالف الوثيق بين الطرفين، وأن «لغة الحرب» قد فُرضت عليهم عبر تفاهمات ترامب ورجله في «سوريا الجديدة» أحمد الشرع، لتقاسم كعكة الثروات في شمال شرق سوريا، التي تُقدَّر بنحو 70 في المئة من ثروات البلاد من نفط وغاز.
يبدو أن ورقة الأكراد في سوريا لم تعد الورقة الرابحة على الرقعة السورية، فالمهمة التي أُنيطت بقوات سوريا الديمقراطية عام 2015 قد انتهت تمامًا. فهذه القوات التي صنعتها واشنطن تشكّلت من اتحاد فصائل وتشكيلات مسلحة مختلفة لقتال تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وهو ما يجزمه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك بقوله إن «الغرض من قسد… انتهى»، وإن الدولة السورية هي الجهة الوحيدة المخوّلة بسط سيادتها على الملف الأمني في البلاد، في اعتراف ضمني بأن «قسد» لم تعد لاعبًا رئيسيًا على الخارطة الأمنية في سوريا الجديدة.
فخلف الأبواب المغلقة، منحت واشنطن «الضوء الأخضر» للرئيس السوري أحمد الشرع لوأد مخطط «التقسيم» والفدرلة. وحينها استغل الرئيس السوري تغيّر مزاج واشنطن، وسرّع جهود «قوات دمشق» للانتقال إلى مرحلة توحيد سوريا وإغلاق ملف «قسد» عبر «اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل». وكانت أبرز بنودها «دمج» قوات سوريا الديمقراطية وقوى الأمن الكردية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، و«تسليم» الإدارة الذاتية الكردية محافظتي دير الزور والرقة إلى الحكومة، على أن تتولى الأخيرة ملف سجناء «داعش» وعائلاتهم المحتجزين لدى الأكراد.
كما نصّ الاتفاق على دمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية، وتسلم الحكومة السورية كامل حقول النفط في المناطق التي كانت تخضع لسيطرة «قسد».
المرسوم 13… خطوة لتوحيد سوريا
وفي لفتة سياسية مدروسة لبسط «الشرعية السياسية» على الخارطة السورية، أصدر أحمد الشرع المرسوم الرقم 13، الذي «يعترف رسميًا بالمواطنين الأكراد كمكوّن رئيسي من الشعب السوري، ويضمن لهم حقوقًا ضمن إطار الهوية الوطنية الموحدة»، كالإقرار باللغة الكردية لغةً وطنية والاعتراف بعيد «نوروز»، في خطوة هدفت إلى تهدئة الشارع الكردي وطمأنته، وربما استثمارها سياسيًا كورقة ضغط خلال مسار المفاوضات مع «قسد» مقابل استعادة «الدولة السورية».
وتهمس المعلومات بأن اجتماعات سابقة جرت في دمشق وباريس والعراق، مهّدت الطريق أمام الرئيس السوري أحمد الشرع لخروجه منتصرًا في معركة توحيد سوريا تحت سلطة الحكومة الجديدة، وليكون الحليف السوري المفضل لإدارة ترامب على حساب المصالح الكردية.
فالحركة الكردية التي وظّفت مكاسبها الميدانية في عهد بشار الأسد بإنشاء جيب للحكم الذاتي، مدّت نفوذها لا في المناطق ذات الغالبية الكردية فقط، بل استحوذت أيضًا على مناطق ذات غالبية عربية، كدير الزور والرقة، عبر إنشاء إدارة ذاتية في شمال وشرق سوريا.
وأمام الوقائع الميدانية الجديدة بعد الثامن من كانون الأول، طالبت الحركة الكردية بـ«فيدرالية سورية»، رغم أنها لا تتناسب مع ثقلها الديموغرافي. فبحسب التقديرات غير الرسمية، يتراوح عدد الأكراد بين مليونين وثلاثة ملايين نسمة، يتوزعون في الحسكة ومدينة القامشلي وعين العرب وعفرين، إضافة إلى أحياء في دمشق وحلب، ضمن دولة يبلغ عدد سكانها نحو 20 مليون نسمة.
طموح الأكراد إلى حكم فدرالي اصطدم بـ«اليوم التالي» في سوريا، مع نشوء النظام السوري الجديد الذي رفض بشكل قاطع مطالب الحكم الفدرالي، معتبرًا أنها ليست سوى جسر يمهّد لتقسيم سوريا، وأن فرصة الأكراد داخل سوريا لا خارجها.
أنقرة… ورقة «الحل الأخير»
على خط موازٍ، تنظر تركيا بعين قلقة إلى التطورات الميدانية المتغيّرة على الساحة السورية، من خلال متابعتها لتفاهمات دمشق و«قسد» في الأيام الأخيرة، وتراقب هذا «التفاهم الهش» من زاوية موقف الأكراد ومدى التزامهم على الأرض.
فأنقرة، التي استثمرت في حليفها أحمد الشرع لتثبيت حضورها في المشهد السوري الجديد، تضع جميع السيناريوهات المطروحة على الطاولة، لا سيما في ظل وجود صراع أجنحة داخل «قسد»، نتيجة هيمنة تيار تابع لحزب العمال الكردستاني يدفع باتجاه خيار «المواجهة المباشرة» مع الجيش السوري، بهدف تدويل القضية الكردية خارج حدود سوريا.
بطيّ صفحة «قسد» نهائيًا في سوريا، ستحصد تركيا مكاسب سياسية عدة، من بينها ترتيب الوضع الأمني على حدودها الجنوبية وحماية مصالحها الاستراتيجية، كما أن تسوية ملف «قسد» ستُنهي أحد أبرز أسباب التوتر بينها وبين واشنطن في ما يتعلّق بالملف الكردي.
والأرجح أن أنقرة ستستخدم ورقة «الخيار العسكري» المحدود كحل أخير لكسر المشروع الكردي، في حال فشل المسارات الدبلوماسية بين دمشق و«قسد» في عملية دمجهم ضمن الجيش السوري، وخروج الأمور عن السيطرة على الجبهات.
في خلفية المشهد، غيّر المزاج الأميركي المعادلة السياسية على الخريطة السورية بإعلان «انتهاء مهمة قسد»، والتخلّي عنها في اللحظات الأخيرة بوصفها أداة استُنفدت وظيفتها وفق ميزان المصالح، ليجد أكراد سوريا أنفسهم اليوم خارج «لعبة الكبار».

سناء محيمدي
صحفية مهتمة بالشؤون السياسية والاجتماعية.
