في العلاقات الدولية، نادراً ما تُقرأ الأحداث الكبرى بمعزل عن سياقاتها الداخلية. فالتاريخ المعاصر حافل بمحطات تُظهر كيف يمكن للأزمات الخارجية أن تتحول إلى أدوات لإعادة ترتيب الأولويات داخل الدول، وتوجيه انتباه الرأي العام نحو قضايا بعينها، على حساب أخرى.
في هذا الإطار، يطرح عدد متزايد من المراقبين تساؤلاً إشكالياً: هل يمكن أن يتحول التصعيد العسكري مع إيران إلى غطاء يُسدل على واحدة من أكثر القضايا حساسية في العالم؟
لم تكن قضية جيفري إبستين مجرّد ملف جنائي تقليدي. فالرجل الذي نسج شبكة علاقات واسعة مع شخصيات سياسية ومالية نافذة على المستوى الدولي، وُجّهت إليه اتهامات بإدارة منظومة لاستغلال القاصرين. غير أن خطورة القضية لم تكمن فقط في طبيعة التهم، بل في الدائرة الواسعة من الأسماء التي وردت في الوثائق والشهادات المرتبطة بالتحقيقات.
فقد ظهرت أسماء بارزة من عالم السياسة والمال في تلك الملفات أو في التغطيات الإعلامية، من بينها الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، والرئيس الحالي دونالد ترامب، إلى جانب الأمير البريطاني أندرو، وغيرهم من شخصيات الصف الأول في المشهد الدولي.
صحيح أن ورود الأسماء في الوثائق لا يُشكّل بحد ذاته دليلاً قانونياً على الإدانة، إلا أن اقتراب القضية من هذه المستويات العليا من السلطة جعلها واحدة من أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية الغربية. وقد تعزز هذا الطابع الإشكالي مع وفاة إبستين في سجنه عام 2019 في ظروف أثارت جدلاً واسعاً، لتتحول القضية إلى مدخل لأسئلة أعمق: من كان على علم؟ من تمت حمايته؟ ولماذا لم تُكشف جميع الحقائق حتى الآن؟
في المقابل، يدرك الفاعلون السياسيون جيداً ما يُعرف في أدبيات العلوم السياسية بمفهوم “تحويل الانتباه العام”. فعندما تتصدر أزمة دولية كبرى واجهة المشهد الإعلامي—سواء كانت حرباً محتملة، أو مواجهة عسكرية، أو تهديداً نووياً—فإن القضايا الأخرى تتراجع تلقائياً إلى الهامش.
وفي هذا السياق، يبرز التصعيد المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، وهو صراع قديم ومعقّد تتداخل فيه ملفات متعددة، من البرنامج النووي إلى النفوذ الإقليمي، وصولاً إلى موازين القوة في الشرق الأوسط.
غير أن التساؤل الذي يطرحه منتقدو النظامين السياسي والإعلامي في الغرب لا يتمحور حول وجود هذا الصراع بحد ذاته، بل حول توقيت تصعيده، سواء على المستوى السياسي أو الإعلامي. فهل يمكن أن تُستخدم الأزمات الخارجية الكبرى كوسيلة لتخفيف التركيز على قضايا داخلية محرجة؟ وهل يسهم الزخم الإعلامي الهائل المصاحب للصراعات الجيوسياسية في تراجع الضغط الشعبي الرامي إلى كشف الحقيقة الكاملة في ملفات حساسة، كقضية إبستين؟
لا تتوافر أدلة قاطعة تثبت وجود خطة ممنهجة تربط بين التصعيد العسكري وطمس تلك الفضيحة. غير أن ذلك لا ينفي حقيقة أساسية، وهي أن النظام الإعلامي العالمي يعمل وفق منطق الأولويات. فالحرب، أو حتى احتمال اندلاعها، تستحوذ على مساحات واسعة من التغطية الإعلامية، وتعيد تشكيل أجندة النقاش العام بوتيرة متسارعة.
وبينما تتصاعد التوترات الجيوسياسية وتتصدر نشرات الأخبار، يبقى ملف إبستين مثالاً صارخاً على القضايا التي قد تنحسر تدريجياً عن الواجهة، دون أن تُحسم جميع تساؤلاتها. وبين الشكوك الشعبية والحقائق غير المكتملة، يستمر الجدل حول ما إذا كانت بعض العواصف الدولية مجرد تطورات طبيعية في سياق التاريخ، أم أنها، في بعض الأحيان، تتحول أيضاً إلى أدوات سياسية تُستخدم لحجب فضائح حساسة.
وفي المحصلة، يبقى الحكم النهائي رهن الزمن، إذ يظل التاريخ—بما يملكه من مسافة وموضوعية—الأقدر على رواية ما جرى، والأعدل في الفصل بين الروايات المتضاربة.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
