في اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضدّ الصحفيين، لا بدّ من الإقرار بأننا نعيش في عالمٍ تغمره الضوضاء والفوضى. لذا، يظلّ كلّ صوتٍ وقلمٍ يصدر عن الصحفي، نبراسًا يبدّد ظلام منهجية التعمية على الحقائق وسياسات تسويق الأخبار الكاذبة. هذا الأداء المسؤول والاحترافي تحوّل في عيون القتلة إلى جريمة موصوفة لا بدّ من وأد مرتكبيها بأيّ ثمن. ومعلوم أنّه في معارك الحريات ومواجهة الطغاة لا مكان للشعارات الجوفاء؛ فثمّة قضايا محقّة تُخنق، ودماء غالية سالت، وأقلام كُسرت، وكاميرات سُحقت، بينما العالم ينظر بصمتٍ آثم وبِتواطؤٍ مريب.
سلاح الصورة… والرصاصة التي تنتظرها
قال الصحفي الشهيد يحيى السراج: «لا نملك إلا الصورة والكاميرا والقلم سلاحًا أمام الأكاذيب». هذه الأسلحة التي تستمد ذخيرتها من الفكر الحرّ والجريء باتت أعتى من أيّ صواريخ خارقة للتحصينات أو المدرّعات في وجه من يريدون إخفاء الحقيقة. لكن المجرمين أدركوا ذلك، فتحوّلت مهنة الصحافة إلى مهنة الخطورة ذاتها، وباتت مهنة مستهدفة بعينها. فلم يعد درع الصحفي الذي يحمل كلمة PRESS يحميه، بل صار هدفًا مغريًا وعلامةً يستهدفها القنّاصة.
في ساحات الحروب، ومن تحت أنقاض المستشفيات التي دمّرتها جيوشٌ محتلة، يتحوّل الصحفي من ناقلٍ للحدث إلى جزءٍ لا يتجزأ من الركام. في فلسطين، حيث شاهدنا فصولًا من جريمة الإبادة الجماعية، ذاب حقّ الصحفي في مجموع المدنيين المستهدفين، فسقط حقّه في الحياة كما سقطت حقوق الآلاف في عملية تجريدٍ ممنهجة من الصفة الإنسانية نفسها، ولم تزد المجاعة تلك الجريمة إلاّ بشاعة. وثمّة حقيقة مفجعة عايشها الفلسطينيون واللبنانيون واليمنيون والليبيون والسوريون، مفادها أنّ الحقيقة قُتلت مرةً بالرصاص والبارود، وقُتلت مرات بالصمت المخزي.
الإفلات من العقاب… الجريمة التي تُرتكب مرّتين
لا شكّ أن القتل جريمة، لكن إفلات المجرم من العقاب جريمة أشدّ فداحة. إنّه انتهاك مضاعف، حيث يموت الصحفي مرّتين: مرّة حين يفارق الحياة، ومرّة عند تمكين قاتله من دفن ملفّ الملاحقة في غياهب النسيان المجتمعي. إنّ الإفلات من العقاب ليس إخفاقًا قانونيًا فحسب، بل هو واجبٌ أخلاقيّ مُعطَّل تمامًا، كما الضمير العالمي.
يقف المجتمع الدولي في زمننا الحاضر متفرّجًا ويكيل بمكيالين. فالإدانات جاهزة ضمن بعض السياقات، والصمت سائد بقوّة في أخرى، لا سيّما عندما يكون الجاني حليفًا قويًا للقوى التي تهيمن على العالم. لقد هُدمت أسس الإنسانية ومبادئ القانون الدولي أمام أعيننا، وبات النظام العالمي قائمًا على العدالة الانتقائية، لذلك فإنّه لم يعد مقنعًا لأحد. لقد استُنفدت العقول من كلّ الكلام الذي يمكن أن يُقال، وبات فشل المجتمع الدولي واضحًا كالشمس. لم يعد أمام الصحفيين إلا المبادرات الذاتية، وحراكهم مع آخرين يشبهونهم، لإعادة إرساء قيم العدالة المهترئة، وإخراج المجتمعات من أنظمة شريعة الغاب.
الخطر من الداخل… حين تنقلب المؤسسة على رسالتها
الخطر على مهنة الصحافة لا يأتي من الخارج فقط، ففي بعض الأحيان يكون مصدر الطلقات القاتلة من الخلف، خاصةً مع وجود مؤسّسات إعلامية فاسدة من داخلها، وفاسدين يستثمرون ويقبضون ثمن ما يُكتب أو ما يتمّ غضّ النظر عنه. فهناك صفقات تُعقد لمهادنة السلطة، وهناك تواطؤ يتمّ في مجالس سرّية ضدّ صوت الصحفي الصادق. كم من صحفيّ لاحقوه أو سجنوه لأنّه كشف مستورًا، أو فضح فسادًا، أو عرى لعبةً أو ارتهانًا، بل لمجرّد أنّه تجرأ ورفع صوته بحرية وطالب بصيانة حقّه القانوني.
وهنا تكمن المأساة الأعمق: حين تسقط القامات وتتحوّل المؤسّسات الإعلامية من حامية للحقيقة إلى سجّان لها. عندها تتساءل المجتمعات المهنية: أين النقابات المعنيّة التي يُفترض أن تكون درعًا وحصنًا؟ ومن يتحمّل المسؤولية الأخلاقية والجماعية عن هذا الانحطاط؟ ولماذا يُطبَّق الصمت على ظلمٍ يطال صحفيًّا، ولا تنتبه عائلته المهنية إلى أنّ ذلك يعني أنّ ظلمًا آخر سيطال الجميع غدًا؟
استراتيجية البقاء… كيف نستردّ الحق ونحمي الحاضر؟
ليس المطلوب أن يتحوّل أبناء مهنة الصحافة إلى مجرّد أسماء في لوحات الشرف تُستذْكَر كل عام في المناسبات ثم تُنسى، بل المطلوب وضع استراتيجيات قابلة للتطبيق من أجل استرداد حقّ الذين سقطوا وحماية من لا يزالون في الميدان. المطلوب ملاحقات قضائية جدّية أمام المحاكم الوطنية أو الدولية، بحيث تتحوّل وزارات الإعلام والعدل في كل دولة إلى مراكز ناشطة لممارسة الضغط. ولا يكفي القول بتكليف لجان قانونية لدراسة الملفات أو توكيل محامين كنوع من الشعارات أو الدعايات الآنية، بل لا بد من إنشاء آليات قانونية دولية مختصّة لملاحقة المجرمين المعروفين ورفع تقارير الرصد إلى المحافل الدولية بشكل مستمر.
كما يُفترض إعادة فرض تأمين الحماية الميدانية والشخصية لكل عامل في مجال الصحافة، فضلًا عن التدريب على السلامة الجسدية، دون إغفال أن علاج الحالات النفسية لم يعد رفاهية أمام هول المشاهد والأحداث. يحتاج الصحفيون اليوم إلى تدابير أمان ملموسة داخل مؤسساتهم، وإلى تأمين على الحياة، وقبل ذلك — والأهم بالنسبة إليهم — ضمانة حرية الكلمة. وكلّ ذلك يحتاج إلى تضافر جهود المؤسسات المعنية. المطلوب إعادة البناء الداخلي وحراك متعاضد بين الصحفيين داخل المهنة نفسها لإعادة غايتها النبيلة إلى مسارها الصحيح، لأن حماية الصحافة والعاملين فيها معركة على الهوية والمبدأ.
إن مهنة الصحافة في زماننا الحاضر هي المهنة الوحيدة التي يُعتبر فيها نقل الصورة جريمة، ورواية الحقيقة خطيئة تمسّ بـ”الأمن القومي” و”هيبة السلطات”. لكن مهنة الصحافة — ورغم كل التحامل عليها — ستظل “رسالة لا تنتهي ولا تموت”.
في هذا اليوم، لا بد من التضامن مع سجناء الرأي في سجون الأنظمة العربية، ومع شهداء الكاميرا في أوكرانيا والسودان وفلسطين وسوريا واليمن والعراق وليبيا، وفي كل بقعة نزاع تُسفك فيها دماء بريئة. لا بد أن ندرك أنّ المعركة لم تعد حول “حرية الرأي والتعبير” فقط، بل باتت قضية إنسانية جامعة، تخصّ كل من لا يزال مرتبطًا بإنسانيته ومنحازًا إلى الكرامة الإنسانية دون تمييز.
إن حماية الصحفي هي حماية للحقيقة، وإن محاسبة قاتله إحياءٌ للضمير العالمي.
الرحمة لشهداء الصحافة الأبرار، ولتكن هذه دعوةً وصرخةً تحت عنوان: «لا تقتلوا الحقيقة… ولا تقتلوا قافلة شهداء الصحافة مرة أخرى بالصمت».

د. جاد طعمه
محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.
