لم يعد في لبنان ما يثير الدهشة. أن يُدان المرء بتهمة التبعية لسفارة صار أمرًا عاديًا، كما صار عاديًا أن يتبادل اللبنانيون الاتهام ذاته بلا هوادة: الكل يدين الكل، والكل متهم حتى إشعار آخر. تفسّخت المعايير، وانهارت الحدود الأخلاقية، حتى غدا التمييز بين المال الحلال، والنظيف، والملوّث ضربًا من العبث. وسقط النقاش العام في دوّامة سجال عقيم لا ينتهي حول التبعية لدولة أو سفارة، إلى حدٍّ يخال فيه المرء أنه لن يعثر على لبناني واحد لا يدور، عن قناعة أو عن عجز، في فلك جهة خارجية.
في التاريخ اللبناني الحديث والمعاصر، يكاد يستحيل العثور على شخصية عامة أو سياسي لم يتباهَ بدولة ما: دولة انتسب إليها، أو كوّن ثروته في كنفها، أو صاغ وعيه على مقاعد جامعاتها. الجميع مصاب بالاغتراب، والجميع يتعامل مع الولاء بوصفه عبئًا ثقيلاً لا قيمة له. بل إن الولاء للوطن نفسه بات يُنظر إليه كعيبٍ بنيوي أو مرضٍ مزمن، لأن الرؤى متناقضة حدّ التناحر في تعريف معنى الوطن: ذاك المكان الذي نعيش فوق أرضه، ونلوذ بظله هربًا من قيظ سياسي واقتصادي خانق، لا يرحم ولا يُطاق.
غير أن هذا المشهد لا يُفهم دون الغوص في طبقاته العميقة. فالتفاخر ليس سلوكًا طارئًا، بل ركنًا ثابتًا في الذهنية اللبنانية، تتبدّل أشكاله ولا يتبدّل جوهره: يبدأ بلافتة ترحيب بسفير أو قنصل، يمرّ بذبح الشاة تكريمًا واستعراضًا، وينتهي بحفل كوكتيل فاخر في فندق مخملي. الهدف واحد لا يتغير: ممارسة التذاكي، وفنّ الاحتواء، ومحاولة اصطياد رضى ممثل دولة ما، على أمل استدراجه لتمويل مشروع، أو تمرير مصلحة، أو منح امتياز، أو توفير حماية ومكانة. وحين تكون الدولة المعنية كبرى، نافذة، ممولة، يصبح المشهد أكثر فجاجة. في الجوهر، هو استجداء مقنّع، مهما تأنّق في اللغة والطقوس.
والأسوأ أن الولاء ذاته لم يعد حالة واحدة، بل سلّمًا من الانحدار. هناك من ينزلق بولائه إلى حدود التجسس والتآمر على أبناء جلدته، وهناك من يتذلّل علنًا، بلا خجل، معلنًا استعداده لتقديم أبشع أنواع الخدمات. وبين هؤلاء، تقف طبقة انتفاعية متحصّنة، تؤدي دور الحارس الصامت: جدار عازل يحمي الدائرة، يمنع الغرباء من الاقتراب، ويقطع الطريق على كل من يجرؤ على منافسة أهل الحظوة في نيل الرضا والشفاعة.
ومع ذلك، لا يكتمل المشهد من دون التوقف عند الوجه الآخر للكارثة. فقد نمت طبقة كاملة على ترداد خطاب مخدِّر عن «النجاح في الاغتراب»، وعن الثراء بالسفر والعمل في الخارج، وعن «الفرادة اللبنانية» التي يُقال إنها تتجلّى أينما حلّ اللبنانيون: من البرازيل إلى الولايات المتحدة، ومن فرنسا إلى ألمانيا، ومن روسيا إلى السعودية، ومن العراق إلى كردستان إلخ. هؤلاء لبنانيون في الداخل والخارج في آن واحد: في الداخل عبر تحويلات المال التي تُبقي الأسطورة حيّة، وفي الخارج لأن الإقامة في بلد لا يوفّر الحد الأدنى من الفرص باتت عبثًا خالصًا. فالطبع اللبناني، كما يُردّدون، مبدع… لكن إبداعه لا يجد وطنًا يحتمله.
لهذا، نكون سُذّجًا إلى حدٍّ مريع إذا ظننا أن مسألة الولاء تُختزل بحمل علم، أو رسم أرزة، أو ترداد نشيد. فهناك طبقة حاكمة من المحافظين والأوليغارش رأت في تهجير اللبنانيين مصلحة استراتيجية، وفي الإبقاء على قلة من العجائز الناخبين والمنتفعين من فتات موائد الزعامات ضمانة لبقائها. طبقة عملت بوعي على إبقاء مفهوم الوطن معلقًا، هشًّا، قابلًا للتأجيل، وربطته بالأشخاص لا بالمؤسسات. أقنعت الناس أن الدولة لا تقوم إلا باسم فلان، أو بغياب فلان، أو بموت آخر، وأن المؤسسات ستنهار إذا غابوا. والحقيقة أن كثيرين غابوا وماتوا، ولم تقم الدولة، وبقيت الأسطورة وحدها تتكرّر، أكثر فقرًا وأكثر سذاجة.
وسيظل الولاء السفاراتي هو الأقوى ما دام هناك من يُصرّ على أن الدولة لن تنهض إلا إذا مدّ الخارج يده إليها. وسنظل نختلف، بعنف ومرارة، حول معنى الاحتلال، وحول شرعية المقاومات بكل تسمياتها وألوانها، لأننا نعيش فوق أرض مشرذمة إلى قطع متناثرة، تتعايش عند الضرورة، وتتقاتل عند الحاجة. وفي المحصلة، لا شرعية عند كثيرين إلا تلك المستوردة من الخارج: من ميترنيخ إلى نابليون الثالث، ومن السلطان عبد المجيد إلى حافظ الأسد، ومن ياسر عرفات إلى صدام حسين، ومن إيمانويل ماكرون إلى أحمد الشرع (…)، ومن أهل الصفا إلى أهل النخوة… وقِس على ذلك…

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
