الجنوب عالق بين الاحتلال والوعود الأميركية

تحليل – خاص «بيروت 2030»

يكشف الإصرار الإسرائيلي على مواصلة الاحتلال داخل جنوب لبنان عن واقع جيو ـ استراتيجي جديد يتجاوز حدود النزاع المحلي، ليضع نمط العلاقات العضوية بين واشنطن وتل أبيب أمام اختبار مفصلي، يتعلق بمدى قدرة القوة الأعظم على تحويل ثقلها الاستراتيجي ونفوذها العسكري إلى رافعة ضغط قادرة على إلزام إسرائيل بعدم تخطي الخطوط الحمراء الدولية.

ولا تنحصر التصريحات الصادرة عن الجانب الإسرائيلي في أبعادها الأمنية المرتبطة بتأمين الجبهة الشمالية فحسب، بل تعكس هندسة مدروسة لرفع السقف التفاوضي، وصياغة معادلة ردع استباقية قبل الولوج في أي ترتيبات نهائية تتعلّق بمستقبل الجنوب اللبناني. إذ تسعى تل أبيب، من خلال التشديد على أن خطوة الانسحاب ليست خياراً آنياً، إلى فرض واقع ميداني جديد، يربط أي تعديل في تموضع قواتها بالحصول على ضمانات أمنية طويلة الأمد، تتخطى تفاهمات وقف إطلاق النار الكلاسيكية التي غالباً ما تكون هشّة.

وفي المقابل، يقارب لبنان هذا الملف من منظور العقيدة السيادية المطلقة، إذ يرى في أي تسوية لا تفضي إلى انسحاب إسرائيلي شامل من الأراضي المحتلة كافة، قضماً لسيادته الوطنية، وتكريساً لواقع أمني هجين ومستدام، يصعب معالجته في المستقبل. الأمر الذي يجعل أولويات القرار اللبناني ترتكز على استعادة بسط السيطرة السيادية الكاملة حتى الحدود الجنوبية، بالتوازي مع تعزيز الحضور المؤسساتي الشرعي، وإعادة البنية الديموغرافية والاجتماعية إلى المناطق المتضررة.

بيد أن جوهر الأزمة الممتدة لا يتمحور فقط حول هذا التباين البنيوي بين الموقفين اللبناني والإسرائيلي، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحدود وتوازنات الدور الأميركي كلاعب أساسي ضامن. فواشنطن تهيمن، بلا شك، على أوراق الضغط الأكثر حيوية تجاه إسرائيل، سواء عبر قنوات الدعم العسكري واللوجستي المستمر، أو من خلال المظلة الدبلوماسية في المحافل الدولية. إلا أن امتلاك أدوات النفوذ لا يترجم تلقائياً إلى إرادة سياسية لتفعيلها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بملفات تُدرجها تل أبيب ضمن العقيدة الوجودية لأمنها القومي المباشر.

وتثبت تجارب العقود الماضية أن الإدارات الأميركية المتعاقبة طالما فضّلت خيار «إدارة الخلاف» مع إسرائيل عبر الأقنية الدبلوماسية المغلقة، تلافياً للاصطدام العلني الذي قد يرتد سلباً على التوازنات السياسية الداخلية في واشنطن، أو يذكي منسوب عدم الاستقرار الإقليمي. وهذا ما يفسّر ميل الإدارة الحالية نحو صياغة تفاهمات أمنية مرحلية ومتدرجة، تقارب الحد الأدنى من مصالح الأطراف المتصارعة، عوضاً عن فرض حلول حاسمة وجذرية قد لا تكون قابلة للتطبيق الفوري.

ومن الناحية الاستراتيجية الشاملة، يستحيل فصل المقاربة الأمنية للملف اللبناني عن ديناميكيات المشهد الإقليمي العام، حيث تهدف خطوط الاتصال والتفاهمات الجارية في الشرق الأوسط إلى خفض مستويات التصعيد، ومنع انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية متعددة الجبهات. وهو ما يجعل استمرار بؤر التوتر المفتوحة في الجنوب اللبناني عاملاً مقوّضاً لفرص التنمية والاستقرار المستدام الذي تطمح إليه القوى الدولية والإقليمية على حد سواء. ومع ذلك، فإن الربط بين التهدئة الإقليمية الشاملة والانسحاب العسكري الإسرائيلي الكامل لا يزال يفتقر إلى المؤشرات الميدانية الملموسة. فالجهود الدبلوماسية الراهنة تبدو أقرب إلى استراتيجية «إدارة الأزمات» واحتواء التصعيد، منها إلى معالجة الجذور التاريخية والبنيوية للصراع.

وفي ضوء هذه المعطيات المركّبة، يغدو السيناريو الأكثر ترجيحاً متمثلاً في صياغة ترتيبات انتقالية متشابكة، تقوم على توسيع نطاق انتشار القوات المسلحة اللبنانية في قطاعات محددة، مقابل تفعيل تدابير وترتيبات أمنية خاصة لفترات زمنية مؤقتة في قطاعات أخرى. وهو مسار قد يُسهم في نزع فتيل الانفجار العسكري، وخلق بيئة رمادية مستقرة نسبياً، لكنه سيبقي الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالسيادة وترسيم الحدود النهائية معلّقة من دون إجابات حاسمة.

كما توحي المؤشرات الحالية بأن الوجود العسكري الإسرائيلي في بعض النقاط الحدودية قد يستمر لفترة طويلة، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات مرحلية أو انسحابات تدريجية لاحقة. إذ يُرجّح أن تقترن أي عملية انسحاب بشروط أمنية مشددة، تشمل قيوداً على طبيعة التسليح والقدرات العملياتية المسموح بانتشارها ضمن مناطق محددة للجيش اللبناني.

وعليه، لا يقف مستقبل جنوب لبنان عند حدود الاختيار بين الانسحاب العسكري أو البقاء الميداني، بل يمثل جزءاً لا يتجزأ من عملية إعادة صياغة موازين القوى والتوازنات الإقليمية برمتها. فكل تحرّك تكتيكي في الجنوب وعلى طول الحدود الجنوبية بات مرتبطاً بمعادلات استراتيجية، تتداخل فيها الحسابات الأمنية والسياسية والدبلوماسية المعقدة. وبين تمسّك الحكومة اللبنانية بالسيادة الكاملة، وإصرار الحكومة الإسرائيلية على الاحتفاظ بأوراق القوة الميدانية، ومساعي الولايات المتحدة لضبط هذا التوازن الحرج، يبقى لبنان ساحة الاختبار الحقيقية لشكل وملامح النظام الإقليمي الجديد الذي يتبلور في المنطقة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.