في خطوة تعزز من سيطرة الحرس الثوري على الاتجاه السياسي لإيران خلال المرحلة المقبلة، أعلن مجلس الخبراء اختيار مجتبى، نجل المرشد الراحل خامنئي، لخلافة والده.
ومجلس الخبراء هيئة مكوّنة من 88 رجل دين، مُكلَّفة باختيار المرشد الإيراني. ويُعدّ مجتبى أحد أبرز وجوه الجناح المحافظ في إيران، كما يُنظر إليه بوصفه الخيار المفضل للحرس الثوري لتولي المنصب الأعلى في البلاد، فيما ترفضه قطاعات معارضة للنظام الحاكم داخل إيران. وقد سبق أن هتف متظاهرون إيرانيون بالموت له خلال الاحتجاجات التي تلت مقتل مهسا أميني على يد الشرطة في سبتمبر 2022.
وكان من المقرر أن يُعلن رسمياً منذ أيام اختيار مجتبى مرشداً أعلى، إلا أن المخاوف من استهدافه حالت دون ذلك، خصوصاً مع القصف الإسرائيلي الذي استهدف مبنى اجتماع مجلس الخبراء في مدينة قم جنوبي العاصمة طهران. وقد أُعلن رسمياً أن المبنى كان فارغاً، وأن اسم المرشد الجديد ربما يُعلن لاحقاً، مع التأكيد أن عملية الاختيار تتم في «بيئة آمنة».
ويُنظر إلى صعود مجتبى على أنه ترجيح لكفة الجناح المتشدد في الحرس الثوري في مقاليد السلطة، على الرغم من أن المرشد الراحل لم يكن يحبذ فكرة التوريث، خوفاً من حدوث انشقاق وخلافات داخل النظام خلال الحرب. وفي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تغيير النظام الإيراني أو الدفع نحو حكام بسياسات أكثر موالاة للغرب، ترسم خلفية مجتبى ملامح لما يمكن أن تكون عليه إيران في مرحلة ما بعد المرشد الراحل.
وُلد مجتبى خامنئي في السابع من سبتمبر عام 1969 في مدينة مشهد، ثاني أكبر مدن إيران بعد طهران، وهو الابن الثاني لعلي خامنئي. وقد تزوج من زهرة عادل، ابنة غلام علي حداد عادل، رئيس الدورة السابعة للبرلمان الإيراني (2004 – 2008)، والتي قُتلت إلى جانب والدة مجتبى وخامنئي الأب في الغارة التي استهدفت الأخير في بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية.
وشهدت فترة نشوء مجتبى اضطراباً بين النخبة الدينية بسبب الخطوات الإصلاحية التي اتخذها الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي، ما أدى إلى تهميش العائلات الدينية في تلك المرحلة.
وفي سن السابعة عشرة، انضم مجتبى إلى «كتيبة حبيب» خلال الحرب العراقية الإيرانية، وأظهر شجاعة في المعارك وفق ما يرويه عنه قادة الحرب.
وارتقى لاحقاً عدد من زملائه في الكتيبة إلى مناصب أمنية وسياسية ودينية حساسة، ويُعتقد أنهم شكّلوا جزءاً من علاقته القوية بالحرس الثوري وبالأجهزة الأمنية. ومن بينهم، على سبيل المثال، علي فضلي، القائد في الحرس الثوري، وحسن محقق، مساعد رئيس استخبارات الحرس الذي اغتيل في حرب الأيام الاثني عشر، ووحيد حقانيان الذي ترشح لانتخابات الرئاسة السابقة، وعلي رضا بناهيان الخطيب في مكتب المرشد الراحل.
وبعد أن أنهى مجتبى دراسته الثانوية في مدرسة «علوي» التي يدرس فيها أبناء كبار رجال الدولة، التحق عام 1999 بالحوزة العلمية في قم، وهي المؤسسة التعليمية الدينية التقليدية لدى الشيعة، لدراسة العلوم الدينية. كما قام بتدريس مادة «بحث الخارج» منذ عام 2008، وهي أعلى مرحلة في دراسات الحوزات الشيعية.
ووصل مجتبى إلى رتبة «حجة الإسلام»، لكنه لم يبلغ رتبة «آية الله»، قبل أن تقوم الحوزة الدينية بمنحه هذه الرتبة قبيل تسميته مرشداً أعلى للثورة الإسلامية في إيران.
وانضم مجتبى إلى مكتب والده بين عامي 1998 و1999. وعلى الرغم من أنه لا يحمل منصباً رسمياً ويظهر نادراً في الفعاليات العامة، فإنه يُنظر إليه باعتباره المدير الفعلي للبلاد، إذ يتحكم في الإمبراطورية الاقتصادية المرتبطة بمكتب والده، ويؤثر في تعيين كبار المسؤولين الأمنيين، كما يشرف أحياناً على بعض الأجهزة الأمنية في البلاد.
كما تخضع له قوات «الباسيج» شبه العسكرية، إضافة إلى امتلاكه ثروات طائلة يُعتقد أنها متأتية من شبكة واسعة من الاستثمارات والعقارات الفاخرة في العاصمة البريطانية لندن، عبر شبكة من الشركات تمتد من طهران إلى دبي وفرانكفورت.
وتؤكد مصادر عدة أيضاً دور مجتبى خامنئي في الإدارة الإعلامية لإيران، وإدارة فيلق القدس، والإشراف على المشتريات الخارجية، إضافة إلى مساهمته في تشكيل جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني.
وبرز اسم مجتبى خلال انتخابات الرئاسة الإيرانية عام 2005، حين بعث مهدي كرّوبي، المرشح المقرب من خامنئي الأب آنذاك، رسالة إلى المرشد يتهم فيها مجتبى بالتدخل في الانتخابات وتزويرها لصالح محمود أحمدي نجاد.
كما ظهر اسمه مجدداً خلال انتخابات عام 2009، عندما ساهمت قوات الباسيج في قمع المتظاهرين خلال «الحركة الخضراء»، وهي الاحتجاجات التي اندلعت اعتراضاً على خسارة مرشح المعارضة أمام أحمدي نجاد، الذي تولى قيادة البلاد لولاية ثانية.
وفي عام 2022، حذر مير حسين موسوي، أحد قادة «الحركة الخضراء»، من تولي مجتبى خامنئي السلطة، متسائلاً عن مسألة توريث منصب المرشد. وقد دعم كرّوبي هذا الطرح، مطالباً بالإجابة عن الأسئلة المطروحة بدلاً من مهاجمته.
حينها ردت وكالة أنباء «راسا»، التي تغطي أخبار الحوزة الدينية في إيران بشكل غير مباشر، بنشر رابط لدورة دينية يقدمها مجتبى، ووصفته بلفظ «آية الله»، ما أثار جدلاً واسعاً حول تهيئة مجتبى لوراثة والده، وحول ما إذا كان قد بلغ فعلاً درجة الاجتهاد أم لا.
ويُشترط في من يتولى منصب المرشد أن يبلغ درجة «الاجتهاد»، وهي الدرجة التي يُمنح صاحبها لقب «آية الله»، بما يتيح تقليده في القضايا الشرعية، ومن ثم لا يكون هناك مانع شرعي من توليه منصب ولاية الفقيه.
ومع ذلك، فإن عدم حصول مجتبى سابقاً على تلك الرتبة الدينية لم يكن ليشكل عائقاً حاسماً أمام وصوله إلى منصب المرشد؛ إذ واجه والده المشكلة نفسها، حيث لم يكن حاصلاً عليها عند توليه المنصب، فتم تعديل النص القانوني آنذاك بما يسمح له بتولي المنصب.
وبالنظر إلى مجريات الأمور، فإن اختيار مجتبى قد يمنح الحرس الثوري قدراً من الاستقرار الداخلي ويحول دون الانقسام على السلطة، خصوصاً أنه يتمتع بظهير شرعي داخل دوائر الأجهزة الأمنية بوصفه نجل المرشد، فضلاً عن كونه الخيار الأنسب لدرايته بكيفية إدارة الأجهزة الأمنية والسياسية في الدولة.
ومن ناحية أخرى، قد يسهم وجوده في تسهيل تقبل الشعب والأجهزة لأي من الخيارين المطروحين أمام الحرس الثوري والجيش الإيراني: إما الاستمرار في الحرب، أو القبول بشروط دونالد ترامب ووقف إطلاق النار.

محسن الزيني
صحفي وباحث في العلاقات الدولية.
