لبنان على فوّهة بركان: نزع السلاح أو جحيم غزّة

 

عندما وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنذاره النهائي لحركة “حماس” في قطاع غزّة، وهدّدها بأنها إذا لم توافق على خطته للسلام “فسوف يندلع جحيم لم ير أحد مثله من قبل”، كان من الواضح أنّ المنطقة مقبلة على تحوّل جذري في موازين القوى وفي المسارات المألوفة التي طبعت قضية الصراع العربي–الإسرائيلي.

فالرجل، الذي لطالما بنى مواقفه على مبدأ الصفقات والنتائج والمطارق الصلبة عند الضرورة لا على الشعارات، كان يعي تماماً أن هذه المواجهة مع “حماس” ستكون بوابة لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي برمّته. واليوم، وبعد أن رضخت الحركة للأمر الواقع ووافقت ضمنياً على بنود الخطة، التي تضمنت نزع السلاح وتسليم إدارة القطاع إلى سلطة مدنية بإشراف دولي وعربي، بدأت الأنظار تتجه نحو لبنان، الذي يقف أمام اختبار مشابه، ولكنه أكثر تعقيداً وتشابكاً في ظل وجود ذراع إيران الأقوى: حزب الله.

العواصف السياسية الصامتة التي تضرب بيروت هذه الأيام ليست سوى صدى مباشر لما جرى في غزة. الإدارة الأميركية بقيادة ترامب، الذي أعلن صراحة أن “السلام سيحلّ في الشرق الأوسط بطريقة أو بأخرى”، ترى أن زمن المماطلة قد انتهى، وأن “قطار السلام”، الذي وُضعت العراقيل في وجهه لعقود، سينطلق بسرعة لا تسمح لأي طرف بالوقوف في وجهه. ومن هذا المنطلق، بدأت واشنطن وحلفاؤها الإقليميون يوجّهون رسائل غير مباشرة – وأحياناً مباشرة – إلى لبنان الرسمي، مفادها أن ملف سلاح حزب الله لم يعد يحتمل التأجيل أو التبرير تحت عنوان “الخصوصية اللبنانية” وشعار “المقاومة”، التي أنهى شرعية وجودها قرار مجلس الوزراء في السابع من آب/أغسطس الماضي.

التزام الجانب الأميركي بدعم لبنان في خياراته الجديدة وتطبيقها ضمن المهل المُحدّدة، عبر تعزيز التعاون مع صندوق النقد الدولي، وتأمين موارد لإعادة الإعمار، وتحفيز الاستثمار في لبنان، لم يمنع نشوء التباس داخل الدولة ظهر في عدة محطات؛ فتباين المواقف بين الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام لا يُمكن إخفاؤه، وقد ظهر ذلك في عدة محطات كان آخرها موضوع جمعية “رسالات” التابعة للحزب، والتي نظّمت “الاحتفال” في منطقة الروشة وخالفت بنود التصريح الممنوح لها، وكان من المقرر سحب ترخيصها، ثم تحوّل الموضوع إلى “تعليق العلم والخبر” كمخرج مؤقت بانتظار انتهاء التحقيقات، إضافة إلى خلافات عميقة في وجهات النظر حول التوقيت والطريقة والسرعة في ما يتعلق بآلية تطبيق القرارات الدولية وبنود اتفاق وقف إطلاق النار في 27 كانون الأول/نوفمبر 2024، وتثبيت سيادة الدولة وهيبتها في جميع الاتجاهات.

مراقبون حصروا الأزمة الحالية ضمن إطار التحرك التكتيكي وليس الأهداف الجامعة للطرفين، وفحواها أن نزع السلاح خطوة حتمية لاستعادة سيادة الدولة وهيبتها؛ فالرئيس عون يرى أن أي خطوة غير مترافقة مع تفاهم داخلي ستكون بمثابة انتحار سياسي وأمني، فيما يرى الرئيس سلام أن الوقت لم يعد في صالح لبنان، وأن الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة، لن يقبل هذه المرة بالذرائع والحجج التقليدية.

لكن المشكلة الأعمق لا تقتصر على خلاف الرئاستين فحسب. فالمصادر ترى بوضوح أن المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية لا تزال مشبعة بما يمكن تسميته بودائع “المرحلة السابقة” — أي الأشخاص الذين مثّلوا عهود التحالفات السابقة مع حزب الله وحلفائه المحليين والإقليميين. هذه الودائع باتت عوائق أمام أي تحرّك فعلي لنزع السلاح، وتشكّل منظومة حماية غير رسمية للحزب داخل أجهزة الدولة نفسها. وقد تجرّأت في الفترة الأخيرة على حجب تقارير الإحاطة الأمنية عن رئاسة الحكومة، “فيما تتسرب عبر قنوات منظمة إلى قيادات وهياكل موازية من خارج دوائر الدولة”، كما ذكرت وسائل الإعلام اللبنانية، مما اضطر الرئيس سلام إلى التحرك بجدّية والعمل على إصلاح هذا الاعوجاج بالسبل القانونية.

هذا الإرباك في “الجبهة اللبنانية” لا يتوافق مع الظروف الدقيقة والضغط الأميركي المتواصل لإقفال الملفات الساخنة والمتوترة في المنطقة. فالإدارة الأميركية تعتبر أن الملف اللبناني بات ضمن الخطة الأميركية الكبرى للمنطقة، ولا تُخفي استياءها من التباطؤ اللبناني، مع ورود معلومات تفيد بأن هناك ميلاً لقبول نوع من “إعادة جدولة زمنية أكثر واقعية لخطط الجيش”.

لكن ذلك لا يعني ترك الأمور تذهب حيث يفضّل حزب الله ويتمنّى، خاصة مع تصاعد كلام قياداته عن “استعادة عافيته” وادعائهم أن لديهم إمكانات تجعلهم أقوى. لذلك ترى واشنطن أن ما نجح تحقيقه في غزة يمكن بسهولة أن يُعاد إنتاجه في لبنان طالما أن الإرادة السياسية والغطاء الدولي متوفران، وأن أي خطأ من جهة الحزب و”مشغّليه” سيستحضر سيناريوهات أسوأ بكثير من حرب تموز 2006، وهذه المرة في ظل موازين إقليمية ودولية مختلفة كلّياً.

السؤال المطروح في بعض الأوساط حول الخيارات المتاحة إذا استمرّ حزب الله في تعنّته وتمسّكه بسلاحه، له جواب محدّد بأمرين لا ثالث لهما:
الأول: ربط المساعدات والاستثمارات بخطوات لبنانية ملموسة لنزع السلاح، مع فرض عقوبات على الشخصيات أو المؤسسات المتهمة بالتواطؤ أو التعطيل.
الثاني (وهو الأخطر): يتضمن فرض نزع السلاح بالقوة ومنح إسرائيل ضوءاً أخضر للتحرك — وهو ما عبّر عنه السيناتور الأميركي ليندسي غراهام بقوله: “إن وقت رحيل حزب الله قد حان، وأن الخطة ‘ب’ جاهزة إذا لم يُنزع سلاح حزب الله سلمياً”. وقد فسّر مراقبون القوة العسكرية بأنها قد تتراوح بين اجتياح إسرائيلي واسع مدعوم أميركياً لجنوب لبنان، وضربات عنيفة متواصلة في كل المناطق التي يُعرف أن للحزب فيها وجود أو نشاط عسكري أو اقتصادي.

في كل الأحوال، وبعد تسوية غزة وتراجع حماس عن مشروعها المسلّح، تريد الولايات المتحدة أن تُثبت أن زمن “غضّ النظر” عن التنظيمات المسلحة المتفلّتة من القانون قد انتهى، وأنه لا مكان بعد الآن لسلطات وقوى مسلحة موازية داخل الدول. ولبنان، رغم ادعاءات الخصوصية وتاريخه المعقّد، لن يُستثنى من هذه القاعدة؛ فالقطار الذي انطلق حرباً وسلاماً من غزة ستكون محطته الثانية في لبنان، وهنا سيظهر مدى جدّية اللبنانيين — قيادات وشعباً — في تحصين بلادهم والخروج النهائي من نفق الانهيار والفوضى.

https://beirut2030.me/?p=1621

مقالات الكاتب

نبيل أحمد شحاده

كاتب ومحلل سياسي في شؤون لبنان والشرق الأوسط – خرّيج كلية الإمام الأوزاعي في بيروت - قسم الدراسات الإسلامية – وهو حالياً طالب ماجستير – يؤمن بأن لبنان لا يحيا إلا بالحرية والعدالة والسيادة.