من قراءة الأبراج إلى نهب العقول… المنجّمون نجوم الأزمات

مع اقتراب كل عام جديد، يظهر المنجّمون والعرّافون كما لو أنّهم نجوم موسميّون، ينهال العالم عليهم بلا توقّف، يلهث خلف وعود زائفة وتنبؤات خرافية، بحثًا عن طمأنينة مؤقتة تلبّي المخاوف وتخفّف القلق. وفي المقابل، لا يتوقّف الواقع القاسي، فيما تغرق الجماهير في الانجراف وراء الأوهام، مستسلمةً للسطوة الرمزية لهؤلاء الذين يملأون الفراغ النفسي بالوهم والخداع المتقن.

مع بداية كل سنة، تتحرّك النفوس بحثًا عن أمانٍ وهمي، فتتحوّل الرغبة في الطمأنينة إلى سلوك متكرّر قائم على تقليد الآخرين، من دون وعي حقيقي بالأسباب أو الأهداف. يصبح الفرد جزءًا من جمهور متماسك، يتأثّر بالعادات الاجتماعية والتكرار الجمعي أكثر مما يستند إلى خياراته الشخصية. هنا تتجلّى سيكولوجية الجماهير كما وصفها غوستاف لوبون: فقدان الفرد لوعيه النقدي، وانصياعه الأعمى لما تفعله الجماعة. تتشبّع الثقافة الشعبية بهذه الممارسات، ويستمر التقليد بشكل شبه تلقائي، فتتحوّل الحاجة النفسية الفردية إلى قاعدة جماعية، وتغدو السلوكيات التي يُفترض أن تكون بحثًا منطقيًا عن الأمان مجرّد انعكاس لما يفرضه المجتمع والموروث الثقافي.

التنجيم والتوقّعات التي يروّج لها العرّافون تقوم أساسًا على الخوف والغموض، وتمسّ الطبيعة والكوارث والسياسة والحروب، فتبدو وكأنها تكشف المجهول، بينما الواقع يفضح استغلالهم المبتكر لجهل الجماهير. مثال صارخ على ذلك ما صدر عن ماغي فرح، التي ادّعت أنّ توقّعاتها لبرج العذراء في بداية العام الذي شهد تصفية حسن نصرالله كانت تنبؤًا فلكيًا، قبل أن تعترف لاحقًا بامتلاكها معلومات مسبقة عن الأحداث، فحوّلت الوقائع إلى إسقاط فلكي زائف. هؤلاء المحتالون يبيعون الوهم والطمأنينة الكاذبة، يختبئون خلف الرموز الفلكية، ويستثمرون رغبة الجمهور في تصديق الخيال، مكتسبين مصداقية وهمية بلا حياء أو ضمير، ليحوّلوا الحقيقة إلى خداع متقن يدرّ عليهم الأرباح بلا رحمة.

ولا ينكر بعض المنجّمين تقاضيهم أموالًا لقاء خدماتهم؛ فقارئة التاروت زينة نمرود تحدّد تسعيرة خاصة لكل متّصل طالبٍ للتبصير، فيما اعترفت ليلى عبد اللطيف بتقاضيها مبلغ 150 ألف دولار من أحد العملاء، خلال حلقة استضافها الإعلامي رودولف هلال، معتبرة التنجيم مهنة بحد ذاتها. ولا تقتصر ممارساتها على بلد واحد، بل تسافر إلى دول يقطنها الأثرياء، لتزوّدهم بمعلومات عن مستقبلهم مقابل أتعاب، محوّلة الشعوذة إلى تجارة مربحة. وهذا يثبت، بما لا يدع مجالًا للشك، أنّ التنجيم والتبصير ليسا مجرّد خرافات، بل وسيلة استغلال مالي واضحة، يختبئ خلفها الوهم لتغطية مصالح مادية بحتة.

في لبنان، تنصّ المادة 768 من قانون العقوبات حرفيًا على ما يلي: «يُعاقَب بالتوقيف التكديري وبالغرامة من عشرة آلاف إلى عشرين ألف ليرة لبنانية كلّ من يتعاطى بقصد الربح التنجيم وكلّ ما له علاقة بعلم الغيب… ويُعاقَب المكرّر بالحبس حتى ستة أشهر…»، ومع ذلك يستمرّ المحتالون في بيع الوهم والطمأنينة الزائفة.

كما يحذّر الكتاب المقدّس لدى المسيحيين: «وَلاَ يَكُونُ فِيكُمْ مَنْ يَسْأَلُ أَصْحَابَ التَّوَابِعِ وَالعَرَّافِينَ…» (سفر التثنية 18:11)، ويقول النبي محمد عن الغيب: «من أتاه الناس يسألونه الغيب فهو كاذب». ورغم هذا الوضوح الديني والأخلاقي، يواصل هؤلاء المحتالون الاحتماء بالرموز الفلكية والخرافات، مستغلّين خوف وجهل الجماهير لتحقيق أرباح مالية بلا حياء أو ضمير، محوّلين الدين والثقافة إلى أدوات نصب متقن.

رجال الدين، في كثير من الحالات، يختارون مصالحهم قبل الحقيقة. يراقبون الإعلام والجماهير والزعماء الذين يحتضنون المنجّمين، ويحسبون كل خطوة بعناية فائقة. الصمت هنا ليس صدفة، بل استراتيجية محكمة للحفاظ على المواقع والنفوذ، وتجنّب زعزعة الكنيسة أو المسجد أمام جماهير تبحث عن طمأنينة زائفة وتأكيد لمعتقداتها. المنجّمون محميّون سياسيًا، والزعماء يشكّلون حلقة وصل بين المصالح الدينية والشخصية والاجتماعية، ما يجعل المواجهة شبه مستحيلة. وهكذا يتحوّل الدين إلى أداة للحفاظ على النفوذ، والخرافة إلى وسيلة تسويق اجتماعي وسياسي، فيما يُهمَّش الحق أمام الحسابات الشخصية والمصالح المتشابكة. وأي مساءلة للمنجّمين تصطدم بجدار صمتٍ مترابط ومعقّد بإحكام.

قال جوزف غوبلز يومًا: «أعطني إعلامًا بلا ضمير أُعطِك شعبًا بلا وعي»، وهذا بالضبط ما يفعله الإعلام الأصفر اليوم، إذ يشارك في صناعة الجهل وتجميل الخرافة. نحن أمام تحالف عريض يضمّ الدين حين يصمت، والدولة حين تتواطأ، والإعلام حين يروّج، وشعبًا أنهكه القلق وسوء المعرفة. تحالف تُمسك بخيوطه قوة واحدة هي المال، رأس الهرم الذي يفرض هيبته أينما حلّ. وأمام هذا المشهد القاتم، لا يبقى الرهان إلا على المتنوّرين، وأصحاب الضمائر الحيّة من إعلام مستقل ونخبة فكرية، لكسر هذا التواطؤ ومحاربة آفة تضرب الوعي في الصميم.

مقالات الكاتب

شفيق حبيب

ناشط سياسي واجتماعي وناشط سابق في مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني.