حوالى الساعة 9:30 صباحًا بالتوقيت المحلي يوم السبت، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا مفاجئًا على إيران. ومع ذلك، لم يكن الهجوم مفاجئًا لإيران، التي تمكنت من تنفيذ هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ على قواعد أميركية في ثماني دول في الشرق الأوسط، وهي: إسرائيل، الأردن، العراق، السعودية، الكويت، البحرين، الإمارات، وقطر. في الواقع، لا ينبغي أن يكون هذا الهجوم مفاجئًا لأي طرف.
لقد أصرت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل منذ فترة طويلة على أن تتخلى إيران عن برنامجها النووي. فإسرائيل لا يمكنها قبول التهديد الوجودي الذي تمثله إيران القادرة على امتلاك أسلحة نووية. وبالمثل، كما كتبت سابقًا، لا يمكن للولايات المتحدة ذلك أيضًا. بعد مفاوضات مطولة، أصبح واضحًا للطرفين أن إيران لن تتخلى عن برنامجها النووي. لكن ما إذا كانت طهران تعتقد أنها بحاجة إلى سلاح نووي أم أنها ببساطة لا تستطيع التراجع أمام واشنطن، فذلك غير واضح وفي النهاية غير جوهري.
أعلنت طهران أن برنامجها مخصص لأغراض مدنية فقط، لكن بالنظر إلى الإيديولوجيا التي يحكم بها النظام الإيراني، فإن امتلاك القدرة النووية كان غير مقبول بأي حال من الأحوال. وبناءً على ذلك، يمكن القول بشكل معقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تصدّقا الحكومة الإيرانية.
ما نعرفه حتى الآن
سبق للولايات المتحدة أن شنت هجمات على البنية التحتية النووية الإيرانية. تلك الهجمات كانت تهدف إلى كسب الوقت لكنها لم تدمر البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل. والأهم، أن الهجوم الأخير لم يركز على المنشآت النووية. بل يبدو أنه صُمم أساسًا كضربة إطاحة بالقيادة، أي عملية تهدف إلى تدمير القيادة والبنية الإدارية للحكومة وفتح الطريق أمام حكومة جديدة.
على وجه التحديد، يبدو أن مهمة إسرائيل كانت التركيز على الإطاحة بالقيادة، بينما كان تركيز واشنطن أكثر على تدمير الصواريخ الهجومية والطائرات المسيرة.
بعض الأهداف كانت قواعد تابعة لحزب الله وجماعات غير حكومية أخرى، وهو هدف ذو أهمية كبيرة لإسرائيل وأقل أهمية للولايات المتحدة.
كم أن أهدافًا أخرى كانت تابعة للحرس الثوري، وهو قوة عسكرية قائمة على الإيديولوجيا الإسلامية وتعد أساسًا لسلطة الحكومة الإيرانية.
كما نفذت الاستخبارات الإسرائيلية عمليات ميدانية تهدف إلى تدمير جزء من القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية وتحديد مواقع المسؤولين الحكوميين الرئيسيين. كما أنها قضت على المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي.
الهدف الاستراتيجي للهجوم
يبدو لي أن الهدف الأساسي من الهجوم هو تغيير النظام. تغيير النظام ليس مهمة سهلة. فتدمير الحكومة يتطلب أكثر من اغتيالات عشوائية؛ إذ هو يتطلب تدمير البنية التحتية الفعلية لعمل الحكومة: مباني المكاتب، القدرات الاتصالية، الحواسيب التي تحتوي على معلومات عن المواطنين، وما إلى ذلك.
تتطلب الإطاحة بالقيادة وتغيير النظام شل قدرة الحكومة على العمل، وأحيانًا السماح بفوضى محددة، وهو أمر خطير إذا كان الجمهور يدعم إيديولوجية الحكومة وسياساتها. ومن الممكن أن تظهر نسخة جديدة من الحكومة القديمة، أو قد يظهر نظام أكثر عداءً للولايات المتحدة وإسرائيل.
ما يشعر به الشعب الإيراني تجاه الحكومة ليس واضحًا، لكن إذا كان الإيرانيون معادين لإسرائيل والولايات المتحدة، فإن منطق تغيير النظام يعني أن حكومة جديدة يجب فرضها بالقوة. ببساطة، الإطاحة بالقيادة قد لا تنهي التهديد دون وجود مستمر على الأرض.
الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية
في عهد رئاسة ترامب، كانت واشنطن حريصة على تجنب حروب طويلة تتطلب وجود قوات أميركية على الأرض. وهذا الهجوم يتوافق مع تلك الاستراتيجية، على الأقل حتى الآن. إذ تهدف الاستراتيجية إلى تجنب الانخراط الطويل الأمد في إدارة أو الدفاع عن دولة منهزمة.
وفق هذه المبادئ، فإن الانخراط الأميركي المطول في إيران غير مقبول. كما أن وجود حكومة مدعومة من إسرائيل غير وارد. ثم أنه يجب ألا يكون هناك أي تواجد عسكري أجنبي على الأرض.
ملاحظات رئيسية من الهجوم
الهجوم المضاد لإيران، الذي تم بدون مساعدة ومن دون التنسيق مع الشركاء الأميركيين، يظهر أن إيران معزولة حتى في محيطها الإقليمي. والهجوم على السعودية، إضافة إلى احتمال الحرب الاقتصادية المدفوعة بالسياسة من طهران، قد يزعزع إمدادات النفط والطلب والأسعار.
التحديات المستقبلية
أهم مسألة الآن هي كيفية محاولة الولايات المتحدة وإسرائيل منع استبدال نظام مماثل بالنظام القديم. فلدى إيران جيشان: الحرس الثوري والقوات المسلحة التقليدية، التي كانت موجودة أثناء حكم الشاه المدعوم من الولايات المتحدة، ولم يتم حلها لأنها كانت ضرورية للدفاع الوطني.
القوات المسلحة التقليدية أقل ارتباطًا بالإيديولوجيا الإسلامية من الحرس الثوري، وأحيانًا معادية للأخير. هكذا، إذا تطورت إيران، يبدو أن هذه القوات، الأكثر علمانية من الدولة، ستكون ذات دور كبير في حكمها. لقد نجت كقوة علمانية ليس لأنها محبوبة من النظام، بل لأنها ضرورية، وربما يقلل ذلك في المحصلة من فرص سيطرة قوة دينية على الحكومة بدون وجود عسكري أجنبي طويل الأمد.
جورج فريدمان هو مؤسس موقع “Geopolitical Futures”

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
