لم يُفاجأ غالبية اللبنانيين كثيرًا بفضائح جيفري إبستين، لا لأن ما كُشف كان عاديًا، بل لأنهم عرفوا ما يشبهه، وربما ما يفوقه، على امتداد تاريخ حروبهم الأهلية. تلك الحروب التي لم تُبقِ شيئًا ولم تذر، بل فضحت المستور عند جميع الجماعات بلا استثناء، وأسقطت الأقنعة الأخلاقية، وكشفت كيف يمكن لانتهاك الروح الإنسانية والذات البشرية أن يتحوّل إلى ممارسة عادية حين تنهار القيم ويغيب الحساب.
من هنا، لا غرابة في أن نجد هذا النموذج «الإبستيني» يومًا ما متصدّرًا وسائل الإعلام اللبنانية. فالانتهاك لم يكن طارئًا على هذا المجتمع، بل تجلّى في أبشع صوره في قضايا كثيرة، من التعدّي على مدّخرات الناس، إلى سحق حياتهم ومستقبلهم، إلى تحويل الإنسان نفسه إلى مادة استهلاك. وهذا بحدّ ذاته شكل نادر ومتوحّش من الإبستينية: إبستينية المال، حيث يُنتهك الإنسان لا عبر الجسد، بل عبر العيش، واللقمة، والأمان، والكرامة.
وقبل إبستين الأميركي، كان لدينا «أبو عمر». لا كاسم فقط، بل كحقيقة مدوّية. نموذج إبستيني آخر، لكن بتجليات مختلفة. في تلك القضية، كان المال هو الباعث، والمال هو الأداة، والمال هو الغاية. الاتجار بالبشر لم يكن جنسيًا مباشرًا، بل كان اتجارًا بالإنسان بواسطة المال: استغلال الحاجة، واليأس، والطمع، والجهل. ضجّت القضية الأرض والكواكب، ثم انطفأت، كما انطفأت قبلها قضايا كثيرة، وكما قد تنطفئ قضية إبستين نفسها غدًا أو بعد غد. فالفضائح، في زمن الانهاك الجماعي، تُستهلك ثم تُرمى.
الناس، والعامّة تحديدًا، يحتاجون دائمًا إلى نوع من «الدوبينغ»؛ مخدّر رمزي أو إعلامي يجرفهم في اتجاهات متعدّدة، ويصرف أنظارهم عن المسار الصحيح، خصوصًا في المنعطفات التاريخية الكبرى والتبدلات العميقة. الفضائح هنا لا تُنتج وعيًا، بل تؤدي وظيفة التخدير، أو الإلهاء، أو التنفيس المؤقت.
وإذا تعمّقنا أكثر، سنكتشف أن في لبنان كثيرين من أمثال جيفري إبستين. نعم، في لبنان «جيفريات» كُثر، ولكن مع فارق شكلي واحد: هؤلاء لا يملكون جزرًا في المحيط، بل تمتد «جزرهم» إلى الأمكنة التي يقطن فيها كبار الأغنياء: من سردينيا إلى قبرص، من كريت إلى موناكو، من مونتي كارلو إلى المالديف، وربما إلى بؤر محصّنة داخل التراب اللبناني نفسه، يعجز أي إنسان عادي، خلقه الله على وجه هذه الأرض، عن الاقتراب منها، لا بالقانون ولا بالحقيقة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بجرأة: هل نستطيع، أو نتجرأ، على القول إن شتّان بين «إبستيناتنا» و«إبستينهم»؟ لا أحد يملك جوابًا حاسمًا. قد تكشف الأيام ما نجهله اليوم. لكن في كل الأحوال، القضية ليست مقارنة جغرافية أو ثقافية، بل قضية أخلاق وقيم، واستهزاء منهجي بالذات الإنسانية، وتسليع فاضح للإنسان، سواء باسم الربح أو المتعة أو النفوذ.
وبالعودة إلى قضية جيفري إبستين في الولايات المتحدة، فهي لم تكن مجرد جريمة فردية، بل شبكة استغلال جنسي منظّمة ارتبطت بالمال الفاحش، والنفوذ السياسي والإعلامي، وبدوائر حماية غير رسمية أخّرت المساءلة سنوات طويلة. في هذه الحالة، تقاطع المال مع الجسد بشكل مباشر: المال الأبيض الرخيص، والمال الأبيض المبودر، أصبحا وسيلتين للسيطرة على الجسد، وإدارته، واستهلاكه داخل منظومة مغلقة. ومع أن حجم الانتهاكات كان صادمًا، تحوّلت القضية إلى شأن عام بفعل التحقيقات الصحفية المستقلة، والضغط القضائي، وتراكم الأدلة، ما سمح بتفكيك جزء من الشبكة، ولو بقيت أسئلة كثيرة بلا أجوبة. المفارقة هنا ليست في وجود الجريمة، بل في أن النظام نفسه أتاح، في لحظة ما، إمكانية كشفها.
في لبنان، لا يظهر نموذج «إبستين» بالطريقة نفسها، ليس بالضرورة لغياب الانتهاكات أو الشبكات المغلقة، بل لاختلاف شروط الفضيحة ذاتها. حين تتشابك الطائفية مع الزبائنية، ويضعف القضاء، وتُقيَّد الصحافة سياسيًا واقتصاديًا، تصبح القدرة على تحويل الجريمة إلى قضية عامة محدودة للغاية. لذلك، فالسؤال الأدق ليس: هل يوجد شخص واحد يشبه إبستين؟ بل: هل توجد بيئة تسمح بظهور ملف كامل، متماسك، قابل للمحاسبة؟
في لبنان، يُذاب الفرد داخل الشبكة. لا تتكثف الفضيحة حول اسم، بل تتبعثر بين وساطات، وتسويات، وصمتٍ قسري. ولو افترضنا، نظريًا، أن فضائح على مستوى إبستين طالت سياسيين أو شخصيات نافذة، فإن المسار المرجّح لن يكون المحاسبة، بل الاحتواء: التشكيك بالضحايا، تحويل القضية إلى شأن شخصي، تأطيرها طائفيًا، استنهاض العصبيات، الضغط على الإعلام، تمييع التحقيق، ثم دفن الملف في الأدراج. هكذا لا تُنفى الجريمة، بل تُفرَّغ من معناها العام.
الأخطر أن هذا المسار ليس افتراضيًا، بل يتغذّى من ثقافة اجتماعية مهيّأة للتبرير. حين تُقدَّم السلطة بوصفها حامية الجماعة، يصبح الاعتداء جزءًا من «الثمن» غير المعلن للاستقرار أو الولاء. وحين تُستبدل الدولة بالشبكات، يتحوّل الانتهاك من جريمة إلى تفصيل قابل للنسيان. عندها، لا نكون أمام «إبستين الفرد»، بل أمام إبستين البنية: منظومة تنتج الصمت، وتعيد تدوير الحماية، وتمنع تشكّل الفضيحة أصلًا.
لهذا، لا يكمن الفرق الحقيقي بين الولايات المتحدة ولبنان في وجود الجرائم أو غيابها، بل في الفارق بين مجتمع يستطيع، ولو جزئيًا، أن يفضح، ومجتمع تُحتوى فيه الفضيحة قبل أن تولد. والسؤال الأخير، والأكثر إيلامًا، ليس: هل سنشهد فضيحة كبرى؟ بل: هل نملك أصلًا الشروط السياسية والقضائية والإعلامية التي تسمح للفضيحة بأن تصبح قضية عامة، لا مجرّد همس عابر… قبل أن تنطفئ، كما انطفأت كثيرات قبلها؟

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
