المقاومة السلمية والاستراتيجية الدفاعية في لبنان: نموذج القرى المسيحية الصامدة

في سياق الجدل المستمر حول الاستراتيجية الدفاعية في لبنان، يبرز مفهوم المقاومة السلمية بوصفه خيارًا نظريًا وعمليًا لم يحظَ بالاهتمام الكافي مقارنةً بالمقاربات العسكرية التقليدية. غير أنّ القراءة التاريخية النقدية لتجربة المجتمع اللبناني تُظهر أنّ الصمود في مواجهة أشكال الاضطهاد لم يكن مجرّد استجابة ظرفية، بل شكّل نمطًا بنيويًا متكرّرًا من أنماط المقاومة، المتجذّرة في البنى الاجتماعية والثقافية والمؤسساتية.

لقد واجه اللبنانيون، عبر مراحل تاريخية متعاقبة، ضغوطًا سياسية ودينية وعسكرية متنوّعة، وتمكّنوا، رغم اختلال موازين القوى، من الحفاظ على استمرارية وجودهم الجماعي. ولم يكن هذا الصمود خاليًا من الكلفة، إذ تشير مصادر تاريخية إلى تعرّض عدد من بطاركة الكنيسة المارونية للاضطهاد وللتصفية الجسدية في بعض الحالات، في سياق دفاعهم عن استقلالية القرار الكنسي وصون الهوية الجماعية. ويؤشّر ذلك إلى تبلور مبكّر لأشكال من المقاومة غير المسلحة، قوامها الثبات المؤسسي والثقافي، بما يتجاوز الاختزال الشائع لمفهوم المقاومة في بعدها العسكري.

ولا تقتصر هذه الدينامية على التجربة المارونية، بل تتجلّى أيضًا في سياق تجربة شيعة جبل عامل خلال الحقبة العثمانية، حيث برزت أنماط من المقاومة ذات طابع معرفي تربوي. فقد اضطلع الشيخ محمد جواد مغنية بدور لافت في نشر التعليم بين القرى، مع تركيز خاص على تعليم الأطفال والفتيات، في مرحلة لم يكن فيها هذا التوجّه شائعًا اجتماعيًا. ويمكن قراءة هذا النشاط بوصفه فعل مقاومة، استهدف إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي وتحدّي البنى التقليدية، بما يعزّز مناعة المجتمع وقدرته على الصمود.

في الأيام الأخيرة، يكتسب نموذج القرى الحدودية، ولا سيّما بعض القرى المسيحية في الجنوب، أهمية تحليلية خاصة، إذ يقدّم مثالًا حيًا على ما يمكن تسميته بـ”المقاومة المدنية الصامتة”. فقد وجدت هذه القرى نفسها في قلب التوترات الجيوسياسية، من دون أن تكون طرفًا مباشرًا في النزاع، ومع ذلك أظهر سكانها تمسّكًا ملحوظًا بأرضهم ورفضًا للنزوح، رغم المخاطر الأمنية والضغوط المعيشية. يُشكّل هذا السلوك الجماعي تعبيرًا عن إرادة البقاء كفعل دفاعي بحدّ ذاته، حيث يتحوّل الحفاظ على الاستمرارية الاجتماعية والاقتصادية إلى أداة مقاومة غير مباشرة، ولكن ذات أثر تراكمي عميق على المدى الطويل.

وعند مقاربة هذه الظاهرة في إطار مقارن، يمكن استحضار نماذج عالمية تؤكّد فعالية المقاومة السلمية كخيار استراتيجي. فقد نجح المهاتما غاندي في قيادة حركة استقلال الهند عبر أدوات اللاعنف والعصيان المدني، مبيّنًا أنّ الشرعية الأخلاقية قادرة، في ظروف معيّنة، على تقويض التفوّق العسكري. كذلك، تُظهر أحداث بودابست عام 1956 أنّ المقاومة المدنية، حتى حين تُقمع عسكريًا، قد تُنتج أثرًا رمزيًا وتاريخيًا يتجاوز نتائجها الآنية، من خلال ترسيخ نموذج مقاومة قائم على الإرادة الشعبية.

انطلاقًا من هذه المعطيات، يقتضي إعادة تعريف مفهوم الاستراتيجية الدفاعية في لبنان ضمن مقاربة شمولية تتجاوز الحصر العسكري، لا سيّما أنّ تعدّد مراكز القرار الدفاعي من شأنه إضعاف القدرة الاستراتيجية بدلًا من تعزيزها. وعليه، يُعاد تموضع مفهوم الدفاع خارج إطاره الضيّق المرتبط بالقدرات القتالية البحتة، بل يشمل أيضًا تعزيز صمود المجتمع، ودعم بقاء السكان في أراضيهم، وتنمية الاقتصاد المحلي، وترسيخ هوية وطنية جامعة. وعليه، يمكن اعتبار التماسك الاجتماعي أحد المكوّنات الجوهرية لمنظومة الدفاع الوطني.

إنّ المقاومة السلمية، في بعدها البنيوي، لا تُختزل في كونها خيارًا تكتيكيًا، بل يمكن النظر إليها كركيزة معيارية لمقاربة دفاعية أكثر توازنًا وإنسانية. فهي، حين ترتكز إلى وعي جماعي وثبات أخلاقي، تتحوّل إلى ثقافة مجتمعية قادرة على إنتاج أشكال مستدامة من الصمود، بما يحدّ من الانزلاق نحو العنف ويعزّز إمكانات الاستقرار طويل الأمد.

التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الفلسفة إلى سياسة عامة: كيف يمكن للدولة أن تدعم “المقاومة السلمية”؟ وكيف يمكن إدماجها ضمن رؤية دفاعية شاملة لا تلغي دور السلاح، لكنها لا تختزله أيضًا؟

في الخلاصة، فإن المقاومة السلمية، حين تتكامل مع جاهزية دفاعية منظّمة ومؤسساتية، تشكّلان معًا أساسًا لاستراتيجية وطنية متوازنة. ولبنان، بتعدديته وهشاشته في آن، قد يكون في أمسّ الحاجة إلى هذا التلاقي بين قوة المجتمع وقوة الدولة: قوة البقاء، والصمود، والقدرة على الدفاع عند الضرورة.

مقالات الكاتب

جان نمّور

محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.

يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.