إيران بعد الحرب الكبرى… صفقة النجاة أم سقوط الوهم العربي؟

في الشرق الأوسط لا تُدار السياسة بالأخلاق، ولا تُحسم الصراعات بالنوايا الحسنة. هنا تُكتب النهايات في الظل قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى. من لا يفهم هذه القاعدة يبقى خارج اللعبة، ومن يرفض الاعتراف بها يدفع الثمن من موقعه ووجوده. لا عداوات أبدية ولا تحالفات مقدسة؛ هناك مصالح متبدلة، وتحالفات مؤقتة، وخيانات مؤجلة تنتظر لحظة الإعلان.

السؤال المطروح اليوم ليس: هل ستنهزم إيران؟ بل السؤال الأخطر: ماذا لو أعادت تموضعها استراتيجيًا بعد الحرب الكبرى؟ وإذا انتهت المواجهة بصفقة تعيد ترتيب العلاقة بينها وبين إسرائيل ضمن تفاهمات دولية أوسع، فهل سنفاجأ؟ أم سنكتشف أننا كنا نقرأ الصراع بالعاطفة بينما كانت العواصم الكبرى تقرأه بلغة البقاء؟

هذه ليست نبوءة، بل قراءة استباقية باردة من زاوية البحث الجيوسياسي. السياسة الاستباقية لا تعني التنبؤ بالغيب، بل الاستعداد لكل الاحتمالات، خصوصًا الأكثر إيلامًا. فكل حرب لها نهاية، لكن ليست كل نهاية يصنعها من بدأ المعركة، ولا كل تسوية تُعلن بشعارات المنتصرين. التاريخ لا يكافئ الشجاعة وحدها، بل يكافئ من يخطط لما بعد الانفجار.

المعضلة العربية أننا نعيش داخل الصراع، لكننا غالبًا خارج التخطيط. ندخل المواجهات بخطاب مرتفع السقف، ونخرج منها بأسئلة أصغر من حجم الخسارة. في الحالة الإيرانية نقع بين وهمين: شيطنة مطلقة بلا تصور لما بعد التفكك أو إعادة التموضع، أو رهان دائم على عداء ثابت بينها وبين إسرائيل، وكأن التاريخ لا يعرف الانقلابات الكبرى. كلا الرهانين اختزال مخلّ، وكلاهما يضع العرب خارج لحظة إعادة تشكيل الإقليم.

ومن زاوية أكثر حساسية، تبقى علاقة إيران مع العالم العربي جرحًا مفتوحًا، خاصة إذا كانت مدن عربية قد تعرضت لضربات مباشرة أو غير مباشرة في سياق الصراع. الذاكرة الجمعية للشعوب لا تُمحى بتوقيع اتفاق، ولا تُرممها بيانات دبلوماسية. أي إعادة تموضع إيراني بعد الحرب ستصطدم أولًا بسؤال الثقة: كيف يمكن بناء علاقة جديدة فوق أنقاض مدن مدمرة ودماء لم تجف بعد؟ هنا يتعقد المشهد؛ فالحكومات قد تعيد الحسابات سريعًا وفق منطق المصالح، لكن المجتمعات تحتاج إلى زمن أطول لترميم الوعي والغضب والشكوك. وإذا لم يُدار هذا الملف بحكمة، فقد يتحول إلى قنبلة سياسية كامنة تُفشل أي انفتاح محتمل.

من يقرأ الداخل الإيراني بعين الباحث لا بعين الدعاية يرى دولة متماسكة بالقوة أكثر مما هي متماسكة بالرضا؛ أزمة شرعية مكتومة، اقتصاد مثقوب بالعقوبات، صراع أجنحة داخل النظام، وجيل شاب لا يرى مستقبله في سردية الثورة القديمة. هذه ليست دولة مستقرة بقدر ما هي دولة مؤجلة الانفجار. وعندما تقترب الدول من الحافة، فإنها تبحث عن صفقة نجاة خارجية، حتى لو كانت مع خصم تاريخي.

في منطق الدول، البقاء يسبق الأيديولوجيا. ما يُسمى خيانة في الخطاب العاطفي يُسمى في علم السياسة إعادة تموضع استراتيجي. قد تُفرض على طهران، في لحظة ما بعد الحرب، معادلة قاسية: الدولة مقابل المشروع، النجاة مقابل التخلي، الاعتراف الدولي مقابل تقليص الدور الإقليمي. وعندما تُحاصر الدول بين السقوط الكامل والبقاء المشروط، فإنها تختار البقاء، ولو على أنقاض خطابها القديم.

إذا حدث تحول كبير في تموضع إيران، فالمأساة الحقيقية لن تكوالعربن في قرارها، بل في غياب الاستعداد العربي له. ستسقط أوهام المحاور الصلبة، ويتبخر رهان “العدو الدائم”، وسيتضح أن الصراعات التي بُنيت عليها سياسات إقليمية بأكملها كانت قابلة لإعادة التشكيل في أي لحظة. الأخطر أن بعض العواصم العربية قد تجد نفسها خارج طاولة التسوية، تدفع الفاتورة دون أن تكتب السطر الأخير، بينما تُعاد صياغة التوازنات بعيدًا عن إرادتها.

في السياسة لا يُبكى على الدول، بل يُبكى على غياب الرؤية. السؤال ليس: هل تغيّر موقف إيران؟ بل: هل امتلك العرب يومًا استراتيجية مستقلة عن تقلبات الآخرين؟ من الخطأ الرهان على عداء أبدي، ومن السذاجة بناء السياسات على الكراهية أو التعاطف. المصالح وحدها هي اللغة الباقية، ومن لا يحدد مصلحته يتحول إلى أداة في مصلحة غيره.

ما بعد الحرب الكبرى لن يشبه ما قبلها. الخرائط لن تُرسم بالشعارات، بل بموازين القوة والفراغات. ومن يترك فراغًا سيملؤه الآخرون بلا تردد. إن لم يمتلك العرب قراءة استباقية باردة، خالية من الأوهام والأيديولوجيا، فلن يخسروا ورقة إقليمية فحسب، بل قد يخسرون موقعهم في الشرق الأوسط الجديد.

التاريخ لا ينتظر المترددين، والسياسة لا تعترف بالبكاء. ومن لا يقرأ النهاية قبل البداية، لن يكون حاضرًا بعدها!

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.