الشمول المالي وديمقراطية المال بعد الانهيار المصرفي في لبنان

يشكّل الشمول المالي ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في العالم، وقد شهد تطورًا متسارعًا خلال العقود الماضية. فبين مطلع الألفية وعام 2024، ارتفعت نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابًا ماليًا من أقل من 50% عالميًا إلى نحو 79%، مدفوعة بتسارع التحول الرقمي، وانتشار الهواتف الذكية، وتوسّع خدمات الدفع عبر المحمول. وفي الاقتصادات النامية تحديدًا، ارتفعت نسبة الادخار الرسمي إلى 40% من السكان في 2024، في تطور يُعدّ الأكبر منذ بدء رصد هذه البيانات. هذا التحسّن العالمي يعكس إدراكًا متزايدًا لدور الشمول المالي في دعم النمو، خفض الفقر، تمويل المشاريع الصغيرة، مكافحة الجريمة المنظمة، وتمكين المواطنين من أدوات الادخار والاستثمار.

في لبنان، كان الشمول المالي قبل عام 2019 يُعتبر مرتفعًا نسبيًا مقارنة بالمنطقة. فقد بلغت نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابًا مصرفيًا حوالي 55% إلى 60%، وهو معدل يقترب من المتوسط العالمي في ذلك الوقت. وكان القطاع المصرفي اللبناني يُعدّ متطورًا، يلبي حاجات الدفع والادخار والتحويل، ويوفّر قنوات ائتمانية للمؤسسات والأفراد. هذه البيئة سمحت للبنانيين بالاندماج في النظام المالي الرسمي، والاستفادة من خدمات مصرفية موثوقة نسبيًا، إلى أن وقعت الأزمة التي دمّرت هذا النموذج.

مع انفجار الأزمة المالية والنقدية عام 2019، انهارت أسس الشمول المالي في لبنان. إذ أدّى حجز الودائع، وفرض قيود غير قانونية على السحوبات والتحويلات، والانهيار غير المسبوق في قيمة الليرة، إلى ضرب العلاقة الجوهرية بين المواطن والمؤسسة المالية. تراجعت الثقة إلى مستويات تاريخية، وتحولت الحسابات المصرفية من وسيلة أمان إلى “أرقام محبوسة” لا يمكن استخدامها في الدفع ولا الادخار ولا الحصول على القروض. وهكذا، ورغم امتلاك شريحة واسعة من اللبنانيين حسابات مصرفية، خرج معظمهم فعليًا من النظام المالي القابل للاستخدام، لينتقل البلد إلى مرحلة تُعدّ نقيضًا تامًا للشمول المالي.

أمام هذا الفراغ، لجأ اللبنانيون إلى بدائل اضطرارية لتعويض غياب النظام المصرفي. فقد هيمن اقتصاد الكاش بشكل شبه كامل على الحياة اليومية: الرواتب تُدفع نقدًا، الإيجارات تُسدد بالدولار الورقي، المشتريات تتم بالسيولة، والعقود التجارية تعتمد الدفع الفوري بعيدًا عن أي وسيلة مصرفية. كما توسّعت ممارسات الادخار داخل المنازل، واعتمد كثيرون على الدورات الجماعية (الجمعية) كآلية ثقة بديلة. في الوقت نفسه ظهرت أدوات مالية غير مباشرة مثل محافظ رقمية بسيطة، أو حلول دفع محدودة، أو حتى لجوء البعض إلى الأصول الرقمية كوسيلة للتربّح وحفظ القيمة. هذه البدائل، وإن وفّرت سياقاً بديهياً للتعامل مع الأزمة، بقيت خارج أي إطار تنظيمي، لا تمنح حماية، ولا تبني سجلًا ائتمانيًا، ولا تتيح مسارًا للنمو الاقتصادي الفردي والمجتمعي.

غير أنّ أخطر ما تخلّفه الأزمة على المدى الطويل هو تهديد الثقافة المالية للمواطنين. فالعودة إلى الكاش تعني فقدان القدرة على التعلّم المالي، وإضعاف مهارات الادخار المنظم، والابتعاد عن الأدوات الرقمية الحديثة التي أصبحت معيارًا عالميًا. ومع خروج الناس من النظام المالي الرسمي، يتقلص الوصول إلى المعلومات المالية، وتتراجع القدرة على التخطيط والادخار والاستثمار، ما يفاقم هشاشة الأسر ويزيد التفاوتات.

أما الأثر الأعمق، فهو المساس بالحقوق الديمقراطية المالية. ففي الدول الحديثة، يُعدّ الوصول إلى القروض والسلف السكنية والتعليمية والمشاريع حقًا أساسيًا يضمن تكافؤ الفرص. ومع انهيار النظام المصرفي اللبناني، حُرم ملايين المواطنين من هذا الحق، وباتت القدرة على الاقتراض محصورة إما بالمال النقدي المتوفر لدى الفرد، أو بشروط غير رسمية مجحفة. هذا الحرمان يحجب عن فئات واسعة فرص التعليم، شراء السكن، تأسيس الأعمال، أو الاستثمار في المستقبل، ما يهدد بتجذير الفقر وعدم المساواة.

إن استمرار الأزمة دون حل شامل، يشمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ضمان حقوق المودعين، واستعادة الثقة بالنظام المالي، يعني بقاء لبنان خارج المسار العالمي للتقدّم في الشمول المالي. وفي عالم يتجه نحو اندماج مالي شبه كامل، يتحول لبنان إلى استثناء خطير، اقتصاد يعتمد على الكاش، وثقافة مالية مهدّدة، وحقوق اقتصادية–ديمقراطية معطّلة، ومجتمع محروم من الأدوات الأساسية للنمو والازدهار.

مقالات الكاتب
د. بيار الخوري
كاتب في الاقتصاد السياسي.