صدر كتاب «البحث عن اليقين» للمؤلّف أنطوان بديع مظلوم، كنداءٍ داخليّ من قلب العتمة. ليس نصًّا عابرًا في مكتبة الفلسفة أو الروحانيات، بل صرخةَ روحٍ تحاول أن تفهم الله من خلال الإنسان، والإنسان من خلال الله، وأن تفكّك ذلك الخيط الخفيّ الذي يربط بين الحضور والغياب، الإيمان والشكّ، الحياة والموت.
منذ الصفحة الأولى، يشعر القارئ أنّه أمام كتابة تقاوم السقوط في سطحيّة الحياة. فالمؤلف لا يقدّم أجوبة بقدر ما يزرع أسئلة. لا يعظ، بل يتأمّل. يكتب كما لو كان ينقّب في طبقات ذاته، يحفر في الذاكرة، ويواجه مرايا الزمن التي تجمّدت عليها ملامحه طويلاً. هو يدرك أنَّ ما نراه ليس كلّ شيء، وأنَّ ما نعيشه ليس المعنى الكامل؛ وأنَّ تحت الضجيج الذي نسمّيه “الحياة”، هناك صمتٌ عميق ينتظر من يُصغي.
بهذا المعنى، يبدو الكتاب أقرب إلى تجربة وجوديّة مفتوحة على الأسئلة الكبرى. فـ”البحث عن اليقين” لا يُسجّل سيرة ذاتية بقدر ما يعبّر عن مسيرة داخل الذات، بين الذاكرة والغياب، بين العقل والإيمان، بين الفلسفة والصلاة. المؤلف يستدعي ألبير كامو ليحاوره في العبث، ودوستويفسكي ليواجهه في السجن، والقديس أوغسطينوس ليبكي معه في حضرة الله، قبل أن يضيف إليهم صوتًا شرقيًا يرى في الوجع وجهًا من وجوه الإيمان، وفي الصمت لغةً من لغات الله.
إنّه كتابٌ لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يبحث عنها بين الركام. يذكّر القارئ أن الضياع أحيانًا ليس نقيض اللقاء، بل طريقه. وأنّ النور لا يأتي من الخارج، بل من انكسار اللغة، من تلك اللحظة التي “يتحوّل فيها السؤال إلى ضرورة وجوديّة، كالماء للظمآن”.
أسلوب الكتاب مشحون بلغةٍ رشيقة، مكثّفة، أقرب إلى الشعر منها إلى النثر الفلسفي. تتوالى فيه الصور كنبضٍ متقطّع بين الألم والتأمل: الضباب، المرايا، الحنين، النور، الصمت… كلّها رموز تعبّر عن رحلة بحثٍ لا عن حقيقة واحدة، بل عن معنى للحقيقة ذاتها.
في النهاية، يبدو “البحث عن اليقين” وثيقة روحية لفكرٍ متعب، لكنه لم يستسلم؛ اعتراف إنسانٍ يعيش في عالمٍ منهك من الأجوبة الجاهزة، فيختار أن يسير في الضباب، بإيمانٍ خفيّ أن الضباب نفسه ليس نهاية الطريق.
إنه كتابُ من لم يرضَ أن يعيش مكتفيًا بالمألوف، ولم يقبل أن تكون الحياة صدفةً بلا وجهة.
بل هو، في عمقه، بحثٌ عن الله في الإنسان، وعن الإنسان في الله.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
