نادرًا ما تتحوّل السيرةُ الذاتيّة في الأدب العربي إلى وثيقةِ فكرٍ، لا تكتفي باستعادة الماضي، بل تُعيد مساءلة الذات وهي تُكوِّن وعيَها. ومن هذا الأفق يُقرأ كتاب «أنا» بوصفه تجربةً تتجاوز التذكّر إلى البناء الفكريّ.
ليست السيرةُ الذاتيّة، في جوهرها، حكايةَ أعوامٍ مضت، ولا دفترَ حضورٍ للأحداث، بل هي محاولةٌ شاقّة للإجابة عن سؤالٍ بسيطٍ في ظاهره، عميقٍ في جوهره: كيف صرتُ ما أنا عليه؟
من هذا السؤال تحديدًا ينطلق كتاب «أنا»، الصادر عن شركة نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة، سنة 1949، في طبعةٍ أولى موثّقة، لا بوصفه سيرةَ حياةٍ بالمعنى التقليديّ، بل بوصفه سيرةَ وعيٍ كتبها عباس محمود العقّاد بقدرٍ نادر من الصرامة مع الذات، وبقدرٍ موازٍ من الكبرياء الصامتة.
العقّاد لا يستدرج القارئ إلى طفولةٍ حميميّة، ولا إلى ذكرياتٍ منزليّة دافئة. لا يروي حياتَه ليُحَبّ، بل ليُفهَم. كأنّما يقول منذ السطر الأوّل: لستُ هنا لأُمتعك، بل لأكشف لك كيف تتكوّن الذات حين تُترك وحيدةً في مواجهة العالم.
في «أنا»، لا تتقدّم الأيّام بترتيبها الزمنيّ، بل تتقدّم الأفكار بحدّتها. لا نقرأ مسار حياةٍ، بل نعاين تشكّل عقلٍ. وهنا تكمن فرادة الكتاب: فهو لا يكتب ما جرى، بل ما أثّر، ولا يهتمّ بما وقع خارج الإنسان بقدر ما انطبع داخله. إنّنا أمام سيرةٍ لا تسرد الوقائع، بل تحاكمها.
يظهر العقّاد في هذا الكتاب إنسانًا بنى نفسَه بنفسه، لا لأنّ ذلك بطولةٌ رومانسيّة، بل لأنّه لم يجد بديلًا. فالتعليم النظاميّ لم يمنحه مفاتيح المعرفة، فاختار القراءة سبيلًا، والعزلة مدرسةً، والعقل وطنًا. في صفحات «أنا» تتحوّل المعرفة إلى فعل مقاومة، لا ضدّ الجهل وحده، بل ضدّ الوصاية. يكتب العقّاد عن ثقافتِه الذاتيّة لا ليُفاخر، بل ليؤكّد أنّ الكرامة الفكريّة لا تُمنَح، بل تُنتَزع.
وهنا يتسلّل البعد الوجدانيّ من حيث لا يُصرّح الكاتب. فخلف الصرامة العقليّة، ثمّة شعورٌ دائم بالوحدة؛ وحدةُ من اختار أن يفكّر خارج السرب، وأن يدفع ثمن ذلك عزلةً وسوء فهم. العقّاد لا يشكو، بل يُثبت. نقرأ بين السطور مثقّفًا يُدرك أنّ الاستقلال مُكلِف، وأنّ الحريّة ليست شعارًا يُرفَع، بل عبئًا يُحمَل.
الحريّة في «أنا» ليست موقفًا سياسيًّا عابرًا، بل شرط وجود. فالعقّاد يربط بين الذات الحُرّة والعقل الحُرّ ربطًا عضويًّا: لا يمكن للإنسان أن يكون نفسَه حقًّا إن لم يمتلك شجاعة الاختلاف. لذلك تبدو مواقفُه حادّة، وأحكامُه قاسيةً أحيانًا، لكنّها ليست قسوةً شخصيّة، بل صرامة فكريّة. هو لا يُخاصم الناس، بل يرفض أنصاف الأفكار.
ومن أكثر ما أُسيءَ فهمُه في هذا الكتاب ذلك الإحساس الطاغي بـ«الأنا». فكثيرون قرؤوا «أنا» بوصفه كتابَ تعالٍ، بينما هو في حقيقته كتابُ دفاع. فكبرياء العقّاد ليست نرجسيّة، بل درعٌ؛ درعُ من يعرف ثمن الانكسار فيختار ألّا ينحني، ودرعُ من لم يُدلّل يومًا، ولم تُفرَش له الطُّرق، فتعلّم أن يحمي ذاتَه من التبسيط والإلغاء. ويمكن، في هذا السياق، إضافة اقتباسٍ دالّ من الكتاب لربطٍ مباشر، مثل:
«أنا لستُ أنا إلّا بما أفكّر».
وإذا قورِن «أنا» بسِيَرٍ ذاتيّة أخرى في الأدب العربي، بدا اختلاف المنهج لا القيمة. فهناك من كتب سيرته من باب الألم، ومن باب الاعتراف، ومن باب التذكّر، أمّا العقّاد فكتبها من باب الموقف. لم يكن معنيًّا بأن يبدو إنسانًا عاديًّا، بل إنسانًا صادقًا مع فكرِه، حتّى لو بدا قاسيًا أو صعب المراس.
واللافت في الكتاب أنّ العقّاد نادرًا ما ينشغل بالأسماء. خصومه ليسوا أفرادًا، بل أنماط تفكير: التبعيّة، السطحيّة، الخوف من الحريّة، وتقديس الجماعة. وكأنّ «أنا» ليست سيرةَ فردٍ فقط، بل تشخيصًا مبكّرًا لأزمة المثقّف العربي، ذاك الذي يُطالَب دائمًا بأن يكون أقلّ حدّة، أقلّ استقلالًا، أقلّ «أنا».
ومن هنا، تبدو راهنيّة الكتاب اليوم مدهشة. فـ«أنا» لا ينتمي إلى زمنه وحده، بل إلى كلّ زمن يشعر فيه المفكّر أنّه غريب في مجتمعِه، ومُطالَب بتخفيف صوته كي يُسمَع. فالكتاب ليس وثيقة ماضٍ، بل مرآة حاضر. وكلّ قارئٍ صادق سيجد نفسَه، بطريقةٍ ما، في هذه الصفحات: في خوفه، في عناده، في رغبته أن يكون ذاتَه دون إذن.
في خاتمة التأمّل، يمكن القول إنّ «أنا» ليس كتابًا يُقرأ مرّة واحدة، بل كتاب يُعاد إليه كلّما ضاقت العلاقة بين الفرد والعالم. لا لأنّه يمنح عزاءً سهلًا، بل لأنّه يمنح شجاعة الوجود.
وهنا، تحديدًا، تتحوّل السيرة إلى فنّ، ويتحوّل الفكر إلى تجربة إنسانيّة مكتملة: ذاتٌ تفكّر، فتتألّم، فتقف، ثمّ تكتب… وتترك أثرًا لا يشبه إلّا نفسَه.

فاروق خداج
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
