إنّ ما نراه اليوم في المشهد السياسي الأميركي لا يمكن اختزاله في مجرد “تخبّط” أو “عشوائية” ناتجة عن أمزجة القادة الأميركيين، بل إنّ الغوص في أعماق الاستراتيجيات الكبرى يكشف عن بنيةٍ تحتيةٍ صلبة تُدار من خلالها الأزمات بوصفها أدواتٍ هندسية لإعادة صياغة نظام عالمي جديد.
ما يظهر للرأي العام كفوضى عارمة في عهد الرئيس دونالد ترامب، أو حتى في استمرارية السياسات السابقة، ليس إلا قشرة خارجية لإدارة باردة ومحسوبة المصالح. إنّ هذه “الفوضى الخلّاقة” لم تعد نتيجة عرضية لقرارات سيئة، بل تحوّلت إلى وسيلة ضغط فعّالة لزعزعة التوازنات التقليدية وفتح المجال أمام واقع جيوسياسي جديد يخدم شبكة معقّدة من الفاعلين، حيث يُستخدم التصعيد ستاراً دخانياً لتمرير تحوّلات اقتصادية وعسكرية كبرى بعيداً عن الرقابة الشعبية.
وتتجلّى ملامح هذه الخطة في التسارع المحموم لوتيرة التصنيع العسكري، فشركات عملاقة مثل “لوكهيد مارتن” لا ترفع قدراتها الإنتاجية وتطوّر ترساناتها بناءً على ردود فعل أو طلبات لحظية، بل إنّ التوقيت الذي يسبق اندلاع الأزمات الكبرى يشير بوضوح إلى وجود توقّعٍ مسبق، أو ربما صناعةٍ مسبقة لتلك الأزمات. وحين يتحوّل السلاح من أداة للدفاع إلى سلعة تتطلّب أسواقاً مفتوحة ومناطق صراع مشتعلة، يصبح من الواضح أن من يصنع الحدث هو المستفيد الأول منه، مما يحوّل الساحة الدولية إلى سوقٍ ضخم يُدار بالنار.
أما على الصعيد الدبلوماسي، فيُلاحظ نمط متكرر يعتمد على إفراغ المفاوضات من جوهرها وتحويل الوعود الدولية إلى سراب. إنّ الهدف من هذه الممارسة ليس الوصول إلى تسويات مستدامة، بل خلق حالة من اليأس الدبلوماسي تبرّر لاحقاً اللجوء إلى القوة أو فرض العقوبات الاقتصادية الخانقة. هذه الاستراتيجية تُحوّل السياسة الخارجية إلى مسرحية تهدف إلى إضاعة الوقت وتشتيت الانتباه، بينما تُحسم القرارات المصيرية في الغرف المغلقة التي تجمع قادة الظل واللوبيات الاقتصادية.
في الجانب الاقتصادي، نجد ترابطاً عضوياً بين التصعيد العسكري وازدهار قطاعي الطاقة والسلاح. إنّ شركات مثل “شيفرون” ليست مجرّد مراقب للتوترات، بل هي فاعل يستثمر في اضطراب الأسواق العالمية. فالحروب، في هذا المنظور، تتجاوز كونها صراعات أيديولوجية أو حدودية، لتصبح مشاريع استثمارية كبرى تُدار بأدوات عسكرية، حيث تصبح السيطرة على الموارد الطبيعية، كما في النموذج الفنزويلي أو صراعات الشرق الأوسط، هي الجائزة الكبرى. إنّ التحكم في تدفّقات النفط والغاز يعني التحكم في إيقاع الاقتصاد العالمي وفرض قواعد اللعبة على الخصوم والحلفاء على حد سواء.
ولا تكتمل هذه الصورة دون النظر إلى التفاعلات في منطقة الشرق الأوسط، حيث يُدار المشهد لإضعاف القوى الإقليمية المنافسة، وفتح المجال أمام تعزيز نفوذ الحلفاء الاستراتيجيين، وعلى رأسهم حكومة بنيامين نتنياهو. إنّ هذا النهج يوفّر فرصة تاريخية لتوسيع النفوذ وتثبيت واقع جيوسياسي جديد يصعب التراجع عنه.
وما يثير القلق فعلاً هو تلك الاستمرارية العميقة في السياسات الأميركية التي تتجاوز الانقسامات الحزبية. فبالرغم من التناقض الظاهري بين خطابات أوباما وترامب وبايدن، ومجدّداً ترامب، إلا أن المسارات الكبرى المتعلقة بالأمن القومي والتوسّع العسكري والسيطرة الاقتصادية تظل ثابتة، مما يؤكد أن المحرّك الفعلي ليس الشخص الجالس في البيت الأبيض، بل مؤسسات “الدولة العميقة” التي ترسم الخرائط لمدى زمني يتجاوز الفترات الرئاسية.
إننا أمام عالم يُعاد تشكيله عبر الفوضى المنظّمة، حيث تُهدم الأنظمة القديمة لبناء توازنات جديدة تضمن تدفّق الأرباح والنفوذ إلى مراكز القوة التقليدية. وبينما ينشغل العالم بملاحقة التغريدات والتصريحات اليومية المثيرة، تستمر الماكينة في الخلفية برسم ملامح مستقبلٍ يكون فيه الاضطراب هو الحالة الطبيعية، والربح هو المعيار الوحيد للنجاح السياسي.
وعليه، هل سيبقى هذا النمط من إدارة الأزمات فعّالاً في ظل صعود أقطاب دولية جديدة تحاول فرض قواعدها الخاصة؟

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
