تحفةٌ فنيةٌ سينمائيةٌ جديدةٌ ورائعةٌ للمخرج جيمس كاميرون، مخرج تايتانيك، تُعرَض هذه الأيام في مختلف أنحاء العالم، وتحظى بحماسةٍ منقطعة النظير. وهي الحلقة الثالثة من فيلم أفاتار.
وكما هو معروف، فإن كلمة «أفاتار» مشتقّة من الفلسفة الهندية، وتعني تجسّد ما هو روحي بما هو مادي. أمّا القصة فتدور، كما في الحلقتين السابقتين، في العام 2154، حول مجابهة بين الجنس البشري الذي دمّر كوكبه، الأرض، ويسعى أيضًا إلى تدمير النظام البيئي لقمر «باندورا» في النظام الشمسي «ألفا سنتوري»، من أجل الحصول على ثرواته المعدنية.
بيد أن سكّان هذا القمر من جنس «النافي»، الذين يشبهون البشر لكن مع أذيال، يقاومون هذا الغزو بمساعدة بطل الفيلم البشري، الذي ينشقّ عن جنسه العنيف والمتطوّر تكنولوجيًا، وينضمّ إلى عِرق «النافي» المسالم والمتطوّر روحيًا.
الحرب بين الطرفين لم تكن متكافئة؛ فالبشر يملكون أحدث أسلحة الفتك الجوي والبحري والصاروخي، فيما لا يملك «النافي» سوى السهام والنبال. لكن هؤلاء الأخيرين، مع ذلك، ينتصرون في نهاية المطاف بفضل تضامنهم، وتضامن كل مخلوقات القمر، من حيوان ونبات، معهم، دفاعًا عن البيئة.
القصة عميقة فلسفيًا وعلميًا، ولا يضاهيها سوى الجهد التقني الهائل الذي بُذل في إنجاز الفيلم (بما في ذلك اختراع لغة خاصة بـ«النافي» تتكوّن من ألف كلمة)، والذي استغرق إعداده نحو عشر سنوات. وهي تستند إلى المبادئ التالية:
- وحدة الوجود (Pantheism)، التي تؤمن بها العديد من المدارس «التجاوزية» في مختلف الأديان، والتي تعتبر أن الوجود برمّته وحدة متكاملة، يتصل فيها الجزء بالكل، والكل بالجزء، مادةً وروحًا، مهما كان النوع أو الشكل، سواء أكان إنسانًا أم نباتًا أم حيوانًا، أو حتى جمادًا.
- علم فيزياء الكم (Quantum Physics)، الذي أكّد نظرية وحدة الوجود، حين أثبت أن أجزاء الكون، من أصغر «كوارك» إلى أكبر مجرّة، مترابطة مع بعضها البعض في شبكة واحدة لا تتجزّأ.
- الفلسفة الصوفية، التي تعتبر أن التواصل مع العناية الإلهية ممكن فقط عبر التواصل الروحي والحدس، لا عبر العقل، الذي لا يستطيع سوى إدراك العالم المادي الظاهر ثلاثي الأبعاد.
- الفلسفة البيئية، التي ترفض اعتبار الطبيعة عنصرًا ميتًا أو جامدًا يجب استغلاله وإخضاعه بكل أشكال القوة والعنف الممكنة، وتنظر إليها بوصفها كيانًا حيًّا وأمًّا رؤومًا. وهذا ما عبّرت عنه أشعار الهنود الحمر الجميلة، الذين رفضوا حرث الأرض قائلين: «كيف تريدون مني أن أبقر بطن أمي؟ إذا ما فعلتُ، ستغضب مني أمي “غايا” (كوكب الأرض)، ولن تحتضنني حين أموت».
جنس «النافي» في الفيلم يُجسّدون هذه المبادئ مجتمعة؛ فهم متوحّدون ومتّحدون كليًا مع الطبيعة، ولا سيما الأشجار، التي يُقدّسونها لأن لا حياة بشرية أو غير بشرية من دونها. ثم إن كل شيء في قمر «باندورا» متّصل بعضه ببعض في وحدة روحية رائعة، تتجسّد في الغابات البِكر التي تشعّ أنوارها وتتفجّر ألوانها بكل الجماليات، والتي يعيش فيها «النافي» وعليها من دون حاجة إلى ناطحات السحاب وغابات الإسمنت. وفوق هذا وذاك، يقيم «النافي» اتصالًا روحيًا مباشرًا مع الله عبر صلواتهم الجماعية النقيّة.
باختصار، قمر «النافي» هو نقيض كوكب الأرض تمامًا؛ فهو جنّة الحب والسلام والتوحّد بالكون والطبيعة، فيما حوّل البشر نعمة الحياة على كوكبهم إلى جحيم، عبر صراعاتهم، وانفصالهم عن أمّهم الطبيعة، وعن طبيعتهم الروحية.
شكرًا، للمرّة الثالثة، للمخرج المبدع والنادر، جيمس كاميرون.

سعد محيو
كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.
