إسقاط حق العودة: من ترومان إلى ترامب

الولايات المتحدة والشرق الأوسط وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية

 

بعد الحرب العالمية الثانية، وضعت الولايات المتحدة الأميركية أربعة محددات أساسية لسياستها في الشرق الأوسط، وهي:


1- حماية مصادر الطاقة في المنطقة، وضمان وصول النفط إلى المستهلكين في الغرب من دون أي عائق وبأسعار معقولة.
2- حماية إسرائيل وأمنها وترسيخ دورها الاستراتيجي المفيد للمصالح الأميركية.
3- دعم الأنظمة الموالية لها وتأمين استقرارها بما يحقق مصالح واشنطن.
4- الحفاظ على نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة وتعزيزه.

وقد شكّلت القضية الفلسطينية وتداعياتها على البلدان العربية المجاورة، ولا سيما مسألة توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، محوراً مركزياً في المشاريع التي اضطلعت بها الدبلوماسية الأميركية. وشكّل مؤتمر بالتيمور عام 1942، نقطة انعطاف حاسمة في الموقف الأميركي من المسألة الفلسطينية، إذ نقل الصهيونية من ادعاء كونها “حركة إنسانية مسالمة” إلى مشروع سياسي-استيطاني مدعوم بقوة متزايدة داخل دوائر القرار في واشنطن.

وبينما التزم الرئيس فرانكلين روزفلت خلال الحرب العالمية الثانية قدراً من الحذر في التعامل مع المطالب الصهيونية حفاظاً على مصالح بلاده مع العرب، اتجه خلفه هاري ترومان، تحت تأثير اعتبارات دينية وإنسانية وانتخابية، إلى تبنّي المطالب الأساسية للحركة الصهيونية العالمية في إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين. وقد أيّد مشروع تقسيم فلسطين (حلّ الدولتين) في الأمم المتحدة عام 1947، وتوّج هذا المسار بالاعتراف الفوري بدولة إسرائيل عند إعلان قيامها في العام التالي. وهكذا، انتقلت السياسة الأميركية من حياد نسبي إلى انحياز بنيوي دائم للمشروع الصهيوني، مقابل تجاهل منهجي لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وعودتهم إلى وطنهم.

يهدف هذا البحث إلى الإضاءة على السياسة الأميركية المنهجية في تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط في ظل الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، وعلى مساعيها الحثيثة للالتفاف على القرار الأممي رقم 194 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، والدفع نحو توطينهم حيث استقروا في البلدان العربية، بما يضمن أمن إسرائيل ويقوّض عروبة فلسطين. وسوف نتناول هذه المشاريع منذ عام 1949 وصولاً إلى “صفقة القرن” التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومشروعه اللاحق لتهجير فلسطينيّي غزة “موقّتاً”.

الأبعاد الاستراتيجية والجيوسياسية والاقتصادية للشرق الأوسط في السياسة الأميركية

تطرح هنا أسئلة أساسية، أبرزها: ما الذي دفع الولايات المتحدة إلى الاهتمام بمصير الفلسطينيين، وقد تأسست الأونروا عام 1949 لتقديم برامج الإغاثة المباشرة لهم وتشغيلهم؟ هل كانت الاعتبارات الإنسانية وتأمين حياة كريمة لهم حيث استقروا في البلدان العربية هي الدافع وراء مشاريع الإدارة الأميركية الهادفة إلى توطينهم؟ أم أن الأمر يتعلق بالمصالح السياسية المتمثلة في تصفية القضية الفلسطينية لتخفيف حدّة التوتر بين العرب وإسرائيل بعد قيام الأخيرة على أرض عربية، وبالتالي تأمين أمن إسرائيل والاستقرار في الشرق الأوسط، حيث المصالح النفطية والاستراتيجية الأميركية؟

إن أهمية فلسطين بالنسبة إلى واشنطن تعود إلى مكانة الشرق الأوسط الاستراتيجية والجيوسياسية والاقتصادية. ومن هنا، عملت الإدارة الأميركية على تحقيق الاستقرار في المنطقة بعد قيام دولة إسرائيل عبر مشاريع تُسقط فلسطين من الخريطة السياسية.

من المنظور الاستراتيجي، رأت الولايات المتحدة أن اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية يشكّلون “مشكلة سياسية” تهدد استقرار المنطقة التي سعت إلى تعزيز نفوذها فيها. وقد شكّل دمج اللاجئين حيث استقروا هدفاً أساسياً لتثبيت واقع ما بعد عام 1948، وإغلاق ملفّ العودة، وإنهاء الصراع العربي–الإسرائيلي. ولم تكن واشنطن مستعدة للضغط على إسرائيل لإعادتهم، لإدراكها خطورة تأثيرهم الديمغرافي على الوجود اليهودي. فقد كان السماح بعودة مئات آلاف الفلسطينيين سيخلّ بالتوازن السكاني، إذ كان عدد اليهود في فلسطين يبلغ ما بين 650 و700 ألف، مقابل نحو 150 ألف فلسطيني مقيم و750 ألفاً في الشتات. وتُظهر وثائق وزارة الخارجية الأميركية (FRUS) أن واشنطن مارست ضغوطاً منظّمة على الدول العربية لقبول التعاون معها في توطين اللاجئين الفلسطينيين حيث هم.

أما من الناحية الجيوسياسية والأيديولوجية، فقد اندلعت منذ خمسينيات القرن الماضي “الحرب الباردة” بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي حول النفوذ في الشرق الأوسط ذي الموقع الاستراتيجي الحساس والغني بالثروات النفطية. وقد انقسم العالم إلى معسكرين متقابلين: حلف شمال الأطلسي وحلف وارسو، وترافق الانقسام مع سباق تسلّح عسكري ونووي. وشكّل الصراع بين النظام الرأسمالي الليبرالي بقيادة واشنطن، والنظام الشيوعي بقيادة موسكو، جوهر المواجهة التي امتدت إلى كسب ولاء الدول حديثة الاستقلال في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، تحت ذريعة “التصدي لتمدّد الشيوعية”. وقد وظّفت الدعايتان الأميركية والسوفياتية الإعلام والتعليم والثقافة لترسيخ القيم السياسية لكل منهما، عبر استخدام الأيديولوجيا والاقتصاد والنفوذ والسلاح، من دون الانزلاق إلى حرب مباشرة. وفي هذا السياق، تبنّت الولايات المتحدة “مبدأ أيزنهاور” عام 1957 لتقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية للدول العربية التي تتعرض لتهديد، بهدف احتواء النفوذ السوفياتي.

وفي البعد الاقتصادي، تمحورت المصالح الأميركية في الشرق الأوسط حول النفط والأسواق. فكان التحالف مع السعودية وإيران ركيزة أساسية لاستراتيجيتها. وبعد دخول الشركات الأميركية للتنقيب عن النفط منذ عام 1933، أعلنت واشنطن عام 1943 أنّ “الدفاع عن السعودية أمر حيوي” لها، ووقّعت عام 1955 معاهدة صداقة مع شاه إيران. وسعت إلى ضمان وجود تجاري واستراتيجي مستقر في سوق النفط، وفتحت أسواق المنطقة أمام السلع والمعدات والأسلحة الأميركية. وبذلك، تحوّل الشرق الأوسط إلى مصدر طاقة وسوق استهلاكية ومجال نفوذ مالي وعسكري يعزّز الدور الأميركي العالمي. غير أنّ ازدهار هذه المصالح كان يتطلب الاستقرار و”السلم الأميركي”، أي إنهاء الصراع العربي–الإسرائيلي. وقد اعتبر وزير الخارجية جون فوستر دالاس أنّ حلّ مشكلة اللاجئين الفلسطينيين شرطٌ أساسي لاستقرار المنطقة في مواجهة التمدد السوفياتي، وأن التوطين في الأردن هو الحل الواقعي بدلًا من العودة.

توطين الفلسطينيين في البلدان العربية: مساره وفشله

منذ عهد ترومان، طرأ تغيير في سياسة الولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية بعد عام 1948، وذلك في سياق تعزيز مصالحها في الشرق الأوسط وتأمين الحماية لإسرائيل من أخطار الأنظمة العربية التي جعلت من تحرير فلسطين من الصهيونية خطابها الرسمي والشعبوي. وقد رأت الولايات المتحدة، عبر أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية، أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين لا تُعالج بالمساعدات الإنسانية التي تقدّمها الأونروا فحسب، بل بتصفية قضيتهم من خلال حلّ دائم يقوم على إعادة توطينهم في الدول العربية، بما يؤدي إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة.

وتُعدّ خطة مستشار وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط جورج ماك غي (George McGhee)، الذي زار بيروت سنة 1949، من أوائل المشاريع الهادفة إلى توطين الفلسطينيين في أماكن وجودهم، وذلك التفافاً على القرار الأممي 194 الذي نصّ على “أن يُسمح للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش في سلام مع جيرانهم، وأن يتمّ التعويض عن ممتلكات من يختارون عدم العودة، وعن الخسائر أو الأضرار التي تلحق بممتلكاتهم”. ولم يكن اهتمام واشنطن منصبّاً على المشكلة الإنسانية أو على الحقوق الوطنية للاجئين، بل على تصفية القضية الفلسطينية باعتبارها عقبة أمام التسوية بين العرب وإسرائيل. وقد قُدّرت تكلفة المشروع بـ 160 مليون دولار أميركي تُصرف كمساعدات تنموية لدول الاستقبال، فيما بلغ عدد اللاجئين في البلدان العربية نحو 750 ألف نسمة.

وكان الجنوب اللبناني من أوائل المناطق المستهدفة بمشروع ماك غي لتوطين الفلسطينيين. وقد تضمّنت الخطة برنامجاً اقتصادياً تموّله الولايات المتحدة والبنك الدولي للنهوض بالاقتصاد اللبناني.

إلا أن كون غالبية الفلسطينيين من المسلمين، دفع لبنان إلى رفض المشروع لما له من تأثير على التوازن الديموغرافي الطائفي، إذ كان التوطين يشكّل تهديداً للبنية السياسية والاجتماعية للدولة. كذلك رفضت دول عربية أخرى المشروع باعتباره تنازلاً عن حق العودة. مع ذلك، استقبل لبنان البرجوازية الفلسطينية التي أسهمت في تنشيط اقتصاده.

وبعد مشروع ماك غي، ظهرت محاولات أميركية أخرى تحت شعار “التنمية الإقليمية” لدمج الفلسطينيين في الدول المضيفة. وقد كانت مصر من أكثر الدول العربية استهدافاً بين عامي 1950 و1952، عبر مشروع لتوطين عشرات الآلاف من اللاجئين القادمين من غزة في أراضٍ مستصلحة في شمال منطقة العريش في سيناء. لكن الحكومة المصرية عادت ورفضت المشروع، تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية التي اعتبرته تصفية للقضية الفلسطينية.

وفي الوقت ذاته، حاولت الولايات المتحدة في العام 1951 القيام بتوطين جزئي للاجئين في الأردن من خلال برنامج “النقطة الرابعة”، من دون تحقيق نتائج باهرة، لأن البرنامج كان تدريبياً-تنموياً، وغير مُهيّأ لتوطين واسع. كذلك، رفض الأردن مشروع ميريك جونستون (Merrick Johnston) في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور (Dwight Eisenhower) لتقاسم مياه نهر الأردن مع إسرائيل، بوصفه وسيلة لتوطين الفلسطينيين فيه. من هنا، التفتت واشنطن إلى العراق بين العامين 1955 و1957 بهدف توطينهم على أراضٍ زراعية مقابل تقديم مساعدات مالية. غير أنّ النتيجة جاءت مخيبة للآمال نتيجة رفض العراق للمشروع. وكان لسورية نصيب من مشاريع التوطين الأميركية الفاشلة في منطقة الجزيرة، فيما بقي لبنان ثابتاً في موقفه الرافض للتوطين لأسباب سياسية واجتماعية وديموغرافية. صحيح أنّه استقبل حوالى 100 ألف إلى 120 ألفاً من اللاجئين الفلسطينيين من الجليل الأعلى وجنوب فلسطين، فراراً من المجازر الصهيونية، إلا أن ذلك كان استقبالاً مؤقتاً لا دائماً. ولذلك رفض منحهم الجنسية اللبنانية أو كامل الحقوق المدنية.

وبالرغم من الفشل في توطين اللاجئين الفلسطينيين رسمياً في البلدان العربية، حافظت المشاريع الأميركية المتتالية لتوطينهم على زخمها. فقد روّجت واشنطن لفكرة التوطين بوصفها وسيلة “إنسانية” للاجئين، لكنها في الواقع كانت تمثل توطيناً مُقنّعاً، إذ ربط تمويلها بوقف الحديث عن “حق العودة”، وهو ما رفضه الفلسطينيون والعرب. واستناداً إلى مشروع جونستون السالف الذكر، شاركت واشنطن مع الأونروا في العام 1959 في مشروع لتأهيل 300 ألف لاجئ فلسطيني وتوطينهم في الأردن وسورية ولبنان وقطاع غزة، عبر إقامة إسكان ومزارع صغيرة في وادي الأردن وحوران، وتوفير تدريب مهني للشباب. غير أنّ الخطة انهارت بعد احتجاجات واسعة للاجئين، ورفض الحكومات العربية للمشروع واعتباره “حلاً نهائياً” للقضية الفلسطينية.

كذلك، روّج الرئيس جون كينيدي (John F. Kennedy) بين العامين 1962 و1963 خطة مماثلة لدمج اللاجئين الفلسطينيين في الأردن وغزة. لكن اغتياله من جهة، واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967 من جهة أخرى، عطّلا تنفيذ المشروع.

ومن المشاريع الأخرى، خطة وزير الخارجية الأميركية ويليام روجرز (William Rogers) للسلام في العامين 1969 و1970، التي تضمنت بنداً لحل منفرد للقضية الفلسطينية يراعي مصالح إسرائيل، يقوم على التعويض على اللاجئين في البلدان العربية أو توطينهم، لا على عودتهم. وفيما أدت دبلوماسية هنري كيسنجر “خطوة خطوة” إلى توقيع اتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في العام 1979، ثم مع الأردن في العام 1994، فقد قدّم الرئيس رونالد ريغان (Ronald Reagan) مشروعاً آخر يقوم على “اللاعودة” إلى فلسطين. وقد تضمن رؤيته لحل شامل لأزمة الشرق الأوسط عُرف بـ “مشروع ريغان”، يبدأ بلبنان ويُشكّل مدخلاً لحل القضية الفلسطينية.

وقد انتهز الرئيس الأميركي فرصة خروج منظمة التحرير من لبنان صيف العام 1982 للسعي إلى حل الأزمة اللبنانية عبر “اتفاق 17 أيار” 1983 وتحقيق السلام في لبنان. غير أنّ انزلاق لبنان إلى فصل جديد من الحرب الداخلية نتيجة الاتفاق حال دون ذلك. ولم ينجح مشروع ريغان لحكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة والقطاع مرتبط بالأردن، بعدما رفضه الفلسطينيون والإسرائيليون معاً.

وفي السياق نفسه، أعاد الرئيس جورج بوش الابن (George W. Bush) مطلع الألفية طرح مقاربة مماثلة في “خارطة الطريق” التي تبنّتها واشنطن واللجنة الرباعية الدولية (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة)، إذ نصّت على حلّ قضية اللاجئين عبر التوطين والتعويض، لا عبر العودة إلى أراضي 1948.

ترامب: صفقة القرن وتهجير سكان غزة

بلغ نهج الولايات المتحدة في توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية ذروته مع خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام، المعروفة بـ “صفقة القرن” في العام 2020، والتي سبقها اعتراف واشنطن رسمياً بالقدس عاصمة لإسرائيل في العام 2017، ونقل سفارتها إليها في العام التالي. صحيح أنّ مصطلح “التوطين” لم يُستخدم صراحة في الصفقة، إلا أنّ الإدارة الأميركية تبنّت عملياً سياسة إعادة توزيع الفلسطينيين في الشتات بعيداً عن وطنهم، بما يخدم المصالح الإسرائيلية.

فنصّت الصفقة على إسقاط حق العودة نهائياً، وأقرّت ثلاثة بدائل أمام اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية:

1- البقاء في أماكن إقامتهم الحالية ضمن الدول المضيفة.
2- الانتقال إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية في الضفة وغزة، ضمن حدود مجزّأة.
3- الانتقال إلى دولة ثالثة، مع منح تعويض مالي فقط لمن يتخلّى عن حق العودة.

وبهذه الصياغة، انصبت السياسة الأميركية على تحويل اللاجئ الفلسطيني من صاحب حق سياسي إلى مستفيد اقتصادي أو مدني، مع ربط كل خيار بتمويل دولي وتطوير اقتصادي، بما يضمن عملياً توطيناً تدريجياً. كما فتحت الصفقة المجال ضمنياً لمشاريع في شمال سيناء المصرية، لدعم سكّان غزة بعد نزع سلاح الفصائل، وهو ما فسّره بعض المحلّلين على أنّه تمهيد لتهجير جزئي أو مؤقّت قد يتحوّل إلى توطين دائم، بما ينسجم مع مخططات إسرائيل الرامية للسيطرة على قطاع غزة، وقد ظهر ذلك بوضوح خلال الحرب على غزة. وكان الصحافي محمد حسنين هيكل قد حذّر في العام 2015 من مخطّط إسرائيلي لتهجير سكّان القطاع إلى سيناء. وهكذا شكّلت “صفقة القرن” امتداداً واضحاً للنهج الأميركي الطويل الأمد منذ العام 1949 في معالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر إسقاط الحق السياسي وربطه بحلول اقتصادية وتنموية.

وقد تحوّلت “صفقة القرن” إلى مشروع ميداني صريح خلال حرب غزة (2023–2025)، حين اقترحت إسرائيل خططاً لنقل مئات الآلاف من الفلسطينيين الغزيين إلى مصر، فيما استعمل الرئيس ترامب أواخر العام 2024 مصطلح “النقل المؤقت”، زاعماً أنّه لأسباب “إنسانية”، إلى حين إعادة إعمار القطاع. ولترغيب الفلسطينيين بترك وطنهم، تحدّث ترامب في الوقت ذاته عن تحويل القطاع إلى “ريفيرا” في الشرق الأوسط أثناء إقامة الغزيين خارجه، وربّما إلى “ريفيرا صغيرة” قرب حقول النفط والغاز قبالة شواطئ غزة، لتكون “منطقة اقتصادية” وفق خطّته.

وانسجاماً مع مشروع ترامب ومراوغاته، كثّفت إسرائيل عمليات قتل المدنيين بأبشع الطرق لدفعهم إلى الهجرة. وعلى الرغم من أنّ مصر كانت الهدف الرئيسي للمشروع، فقد رفضته جملةً وتفصيلاً. غير أنّ ما يُسجَّل في المقابل هو تشبّث أهل غزة بأرضهم وحقهم في البقاء فيها مهما بلغت شراسة الحرب.

وفي أوائل تشرين الأول/أكتوبر 2025، اقترح الرئيس دونالد ترامب خطة لإنهاء الحرب في قطاع غزة وتوسيعها إلى تحرّك نحو سلام إقليمي. فقد دعت الخطة إلى وقفٍ فوريّ لإطلاق النار وتبادل الأسرى من الجانبين، ونزع سلاح حركة “حماس” تحت إشراف قوة دولية، وتشكيل مجلسٍ انتقالي لإدارة غزة بمشاركة عربية ودولية، تمهيداً لإعادة الإعمار ودمج القطاع اقتصادياً. كما هدفت الخطة إلى توسيع “اتفاقات إبراهام” لتشمل دولاً عربية جديدة، وتُقدَّم بوصفها خطوة نحو “سلام شامل” في المنطقة، من دون أن تتضمن نصاً واضحاً حول إقامة دولة فلسطينية، ما جعلها موضع تحفّظ فلسطيني وتشكيك عربي واسع. وهكذا، بالكاد نجحت مرحلتها الأولى المتعلّقة بإطلاق سراح الأسرى من الجانبين، فيما تنتظرها مطبّات أشدّ خطورة في المراحل اللاحقة.

إن فشل مشاريع توطين الفلسطينيين خارج فلسطين التاريخية عبر العقود يعبّر عن سوء تقديرٍ بنيوي لدى الإدارات الأميركية لطبيعة الطموحات الوطنية الفلسطينية. فقد بُني الافتراض الأميركي على أن تحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل للاجئين في الشتات سيكون محفّزاً كافياً لقبولهم بالتوطين حيث هم، وهو افتراضٌ خاطئ، لأن حق العودة إلى الوطن الأصلي يمثّل بالنسبة إلى الفلسطينيين أولوية عليا غير قابلة للتنازل، تفوق أي اعتبارات اقتصادية أو إغراءات مالية. لقد كان البعد السياسي والرمزي والوجداني للعودة أقوى من أي حافز اقتصادي، مما جعل جميع المشاريع الأميركية بين العامين 1940 و2025 محكومة بالفشل عملياً.

 

مقالات الكاتب

عبد الرؤوف سنّو

مؤرخ وباحث