لماذا تراجع ترامب عن شنّ حرب واسعة ضد إيران؟

في السياسة لا تتخذ قرارات الحرب بالعاطفة ولا تتوقف ببيان سياسي. الحروب الكبرى تخضع لحسابات دقيقة تتعلق بموازين القوة وكلفة المواجهة وحجم المكاسب المتوقعة. ومن هنا يمكن فهم التراجع الأمريكي عن الانزلاق إلى حرب شاملة ضد إيران بعد أن كانت كل المؤشرات تشير إلى اقترابها.

في بداية الأزمة بدت واشنطن مقتنعة بأن الضربات العسكرية المكثفة قد تدفع طهران إلى التراجع أو تقديم تنازلات كبيرة في ملفاتها النووية والإقليمية. لكن مع تطور الأحداث اكتشفت الإدارة الأمريكية أن المشهد أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا وأن الحرب لن تكون خاطفة بل مواجهة طويلة تستنزف الجميع.

أول ما واجه صانع القرار الأمريكي أن إيران ما زالت تمتلك القدرة على الرد. فالمواجهة لم تعد تقتصر على سلاح الجو أو القواعد العسكرية بل أصبحت تمتد إلى الصواريخ والطائرات المسيرة وشبكات الحلفاء المنتشرين في أكثر من ساحة. وهذا يعني أن أي حرب مفتوحة قد تتحول إلى صراع يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وربما شرق المتوسط.

العامل الاقتصادي كان حاضرًا بقوة. فواشنطن تدرك أن أي تصعيد واسع قد يهدد الملاحة في مضيق هرمز ويؤثر على حركة الطاقة العالمية. ومع ارتفاع أسعار النفط والغاز تعود موجة التضخم لتضرب الاقتصاد الأمريكي وهو ما يمثل عبئًا سياسيًا على أي إدارة أمريكية.

كما أن الداخل الأمريكي لم يكن متحمسًا لحرب جديدة في الشرق الأوسط. فالمجتمع الأمريكي خرج من تجارب العراق وأفغانستان بقناعة أن الحروب الطويلة تستنزف الاقتصاد والجيش ولا تحقق دائمًا أهدافها السياسية. لذلك كان من الصعب توفير غطاء شعبي لحرب قد تستمر سنوات.

ومن الناحية العسكرية اكتشفت واشنطن أن امتلاك التفوق الجوي لا يعني حسم المعركة. فإيران بنت استراتيجيتها خلال العقود الماضية على استنزاف الخصم لا مواجهته بصورة تقليدية. ولذلك فإن أي عملية عسكرية واسعة كانت ستفتح جبهات متعددة يصعب السيطرة عليها وتضع المصالح الأمريكية وحلفاءها في دائرة الخطر.

كما أن الكيان الإسرائيلي المحتل يدرك أن الحرب الطويلة ستفرض عليه أثمانًا اقتصادية وأمنية غير مسبوقة خاصة إذا امتدت الضربات إلى الموانئ ومنشآت الطاقة وخطوط الملاحة في البحرين الأحمر والمتوسط.

في المقابل ظهرت الوساطات الإقليمية لتمنح الإدارة الأمريكية فرصة للخروج من دائرة التصعيد. فبدلًا من التورط في حرب مفتوحة أصبح من الممكن تقديم ما جرى باعتباره نجاحًا في فرض الردع ثم الانتقال إلى مرحلة التفاوض مع الاحتفاظ بأوراق الضغط السياسية والعسكرية.

لكن هذا التراجع لا يعني أن الصراع انتهى. فما تغير هو شكل المواجهة وليس جوهرها. فالملف النووي الإيراني ما زال مفتوحًا والنفوذ الإقليمي لطهران ما زال محل صراع كما أن أمن الملاحة في الخليج والبحر الأحمر سيظل أحد أهم عناصر الضغط المتبادل بين الطرفين.

الحقيقة أن ترامب لم يتراجع لأنه تخلى عن سياسة القوة بل لأنه أدرك أن كلفة الحرب الشاملة أصبحت أكبر من عائدها. فاختار إعادة التموضع بدلًا من التورط في معركة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط وتفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.

وفي علم الجيوبوليتيكا لا يكون التراجع دائمًا علامة ضعف بل قد يكون خطوة محسوبة لإدارة الصراع بوسائل مختلفة. لذلك فإن ما نشهده اليوم ليس نهاية الأزمة بل انتقالها من ميدان الحرب المباشرة إلى ميدان الصراع السياسي والاقتصادي والاستخباراتي حيث تستمر المعارك بصور أقل صخبًا وأكثر تأثيرًا.

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.