في يومها العالمي: هل يغتالون اللغة العربية ليصادروا الأوطان؟

في الثامن عشر من كانون الأول، نحتفل باللغة العربية بوصفها ذاكرة أمة، ووعاء وعيها، وحدّها الأخير في وجه الذوبان. هي الجذور العميقة التي تُبنى عليها الهوية، ويُصاغ عبرها الانتماء، وتُحفظ بها الأرض. هي وطنٌ غير مرئي، وحين يُهدَم هذا الوطن تصبح كل الأوطان قابلة للسقوط.

في لبنان، وفي العالم العربي عموماً، نعيش تراجعاً مخيفاً للغة العربية، لا بفعل الغزو الخارجي وحده، بل — والأخطر — بفعل تقاعس داخلي، واستخفاف ثقافي، وخجل معلن من الانتماء.

أهل يتباهون بأن أبناءهم «لا يتكلمون العربية». مدارس ترفع شعارات الحداثة لكنها تخرّج أجيالاً عاجزة عن كتابة فقرة سليمة بلغتها الأم. نظام تربوي لم يسأل نفسه يوماً ماذا فعل للّغة وكيف أعدّها لتواجه عصر التكنولوجيا والعلم، بدل أن تُزجّ في زاوية التراث. فهل نريد حقاً لغة بلا حياة… ووطناً بلا ذاكرة؟

ليست اللغة العربية لغة ماضٍ كما تنظر إليها الأجيال الجديدة، بل لغة حضارة صنعت العالم. إنها اللغة التي نزل بها الوحي: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وهي التي حملت العلم حين كانت أوروبا تتلمس طريقها في العتمة.

في بغداد وقرطبة ودمشق والقاهرة كانت العربية لغة الطب والفلك والفلسفة والرياضيات. ابن سينا كتب بها الطب الذي دُرِّس في جامعات أوروبا لقرون، والخوارزمي وضع أسس الجبر بها، وابن رشد خاطب العقل الإنساني بها، لا العقل العربي وحده.

كان العلماء العرب يعكفون على ترجمة كتب الفلاسفة الإغريق، ويكتبون باللغة العربية، لتصبح اللغة مرجعية علمية تخدم العالم بأسره. في الأندلس، كانت اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي ربطت بين المسلمين واليهود والمسيحيين، ودفعت بعجلة الإبداع والتنوير. وها نحن اليوم نعيش نقيض ذلك، حيث أصبحنا ننقض هذه الذاكرة، ونستبدلها بترجمات غير دقيقة، وألفاظ أجنبية تبتلع هويتنا.

تراجعنا لأن أهل اللغة ضعفوا. اللغة العربية لم تخسر معركتها أمام اللغات الأخرى، بل خُذلت من أبنائها؛ خُذلت حين حُبست في مناهج جامدة، وفي تعليم تلقيني، وفي خطاب رسمي ميت. خُذلت حين لم نُدخلها بجرأة إلى العلوم الحديثة، ولا إلى البرمجة، ولا إلى البحث العلمي، بل اكتفينا بها للخطابة والشعر.

قال الشاعر حافظ إبراهيم، على لسان العربية: «أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ، فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟». لكننا لم نسأل، ولم نغُص. اكتفينا بالوقوف على الشاطئ، نُصفّق للغات الأخرى، ونشيّع لغتنا.

في لبنان تحديداً، حيث التعدد الثقافي كان دوماً غنى لا لعنة، تحوّل الأمر إلى فصام لغوي: ندرّس العلوم بلغة، نحلم بلغة، ونكتب هوياتنا بلغة أخرى، ثم نتساءل لماذا لا يشعر الجيل الجديد بانتماء حقيقي لهذا البلد. كيف ذلك ونحن لا نملك لغة ننتمي بها؟

ليس المطلوب تقديس اللغة، بل إنقاذها من الموت البطيء: تطويرها، تحديث مناهجها، ربطها بالتطور العلمي، إعادة الاعتبار للمعلم، ومساءلة نظام تربوي كامل عن دوره في هذا الانحدار. والأهم: مصارحة المجتمع بأن تربية الأبناء بلغة أجنبية في البيت ليست حداثة، بل اقتلاع ناعم من الجذور.

في هذا اليوم العالمي للغة العربية نحتاج شجاعة: شجاعة الاعتراف بأن ما وصل إليه لبنان والعالم العربي هو من صنع أيدينا. فمن لا يعرف كيف يحافظ على لغته، لن يعرف يوماً كيف يحافظ على أرضه.

 

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.