بعد أن اتضحت أبعاد كارثة السابع من أكتوبر، كان من الواضح أن على إسرائيل خوض حرب شاملة ضد حركة “حماس”، إذ لم يعد الأمر يتعلق بجولة قتال أخرى، على غرار “الجرف الصامد”، أو “حارس الأسوار”، أو “عمود السحاب”، بل بعملية عسكرية واسعة ترافقها خطوة سياسية مهمة تنهي حكم “حماس” في قطاع غزة.
صحيح أن إسرائيل تأخرت أسابيع قبل بدء العملية البرية، وهذا يعود، من بين أسباب أخرى، إلى خوف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من التعرض لهزيمة عسكرية، لكن لم تكن هناك أي شكوك في ضرورة إنهاء سيطرة “حماس” على غزة وسكانها واقتصادها ونظامها التعليمي. لقد كان واضحاً أن كل شيكل تحصل عليه “حماس” من الضرائب، أو من المساعدات الإنسانية، يصبّ في خزينة جناحها العسكري في نهاية المطاف، ليُستخدم في حفر الأنفاق وتصنيع الأسلحة وتجنيد مقاتلين جدد.
لكن، بعد ألف يوم من حرب قاسية ومدمرة، سقط فيها مئات القتلى من الجانب الإسرائيلي وعشرات الآلاف من الفلسطينيين، حدث ما بدا كأنه غير معقول: فالجناح العسكري لحركة “حماس” لم ينجُ من الحرب فحسب، بل بقيت الحركة أيضاً الجهة الحاكمة الوحيدة في قطاع غزة.
صحيح أن شبكة الأنفاق تعرضت لضربات كبيرة، وأن الجناح العسكري خسر عشرات الآلاف من مقاتليه، وأن ترسانته لم تعد كما كانت عليه، وأن معظم قيادته تمت تصفيتها؛ لكن، وفقاً للتقارير الواردة من غزة، تعيد “حماس” التسلح وبناء الأنفاق في المناطق التي تسيطر عليها، وتستأنف تصنيع الأسلحة، بما في ذلك الصواريخ، وتحاول تهريب طائرات مسيّرة عبر سيناء. باختصار، إنها تستعد لجولة قتال جديدة مع إسرائيل.
وفي الوقت عينه، ينجح التنظيم في دفع رواتب لعناصره، وكذلك في تجنيد أعضاء جدد. قبل أسبوع فقط، كان من المقرر تنظيم تظاهرات ضد “حماس” في غزة، إلا أن المشاركة فيها كانت ضعيفة، وبقي معظم السكان في منازلهم. صحيح أن بعضهم لا يزال يؤيد الحركة، لكن الأكثرية تخاف من بطش أجهزتها الأمنية إذا خرجت إلى الشوارع.
لقد قُتل محمد الضيف ويحيى ومحمد السنوار وعز الدين الحداد وآخرون، لكن حلّ محلهم قادة آخرون، لا يعرفهم الجمهور الإسرائيلي، بل حتى أكثرية سكان غزة، وهم يواصلون الحفاظ على حكم الحركة في القطاع.
الإخفاق السياسي الكبير لحكومة نتنياهو
إن فشل إسرائيل في إيجاد بديل من حكم “حماس”، يمكن أن يشكل تهديداً أيضاً لجناحها العسكري، يعود أساساً إلى الإخفاق السياسي الكبير لحكومة نتنياهو. فمنذ بداية الحرب، طالب كثيرون بضرورة العمل على إقامة سلطة بديلة في غزة لتحقيق نصر حقيقي. وكان الخيار الأكثر واقعية هو إنشاء هيئة فلسطينية ـ عربية تكون السلطة الفلسطينية جزءاً منها، لكن إسرائيل رفضت، مراراً وتكراراً، أي نقاش بشأن إشراك السلطة الفلسطينية، وبذلك فرضت واقعاً بقيت فيه “حماس” في الحكم، بسبب مخاوف نتنياهو من شركائه في الائتلاف، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. وهكذا تكون حكومة نتنياهو هي التي سمحت، عملياً، لـ”حماس” بالبقاء سلطة حاكمة في غزة.
يتفاخر أنصار نتنياهو بأن “حماس” تسيطر على 47% فقط من القطاع، لكن الحركة لا ترى في ذلك أهمية كبيرة، فهدفها الأساسي هو السيطرة على السكان، لأنهم مصدر الضرائب، ومنهم سيتم تجنيد الجيل المقبل من مقاتلي “النخبة”، أي النخبة التابعة للحركة، وهذا ما تفعله بالضبط.
ولا يتوقف الفشل عند حدود غزة؛ فزعيم “حماس” الجديد خليل الحية، المقيم في قطر، التقى مؤخراً، بحسب تقرير إعلامي إسرائيلي، آرييه لايتستون، المستشار في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والعضو في “مجلس السلام”. فمجرد عقد مثل هذا اللقاء يدل على أن “النصر المطلق” الذي وعد به نتنياهو تحوّل إلى هزيمة سياسية، إذ يتمتع الحية بحصانة في قطر، بينما يلتقي مسؤولون أميركيون قيادة “حماس” علناً لمناقشة مستقبل القطاع، في الوقت الذي يعيد الجناح العسكري للحركة بناء قدراته، وتبقى الحركة في السلطة.
لقد نجحت “حماس” أيضاً في تحويل إسرائيل إلى دولة منبوذة في أجزاء واسعة من العالم، بما في ذلك داخل الساحة السياسية الأميركية. وهناك مرشحون معادون لإسرائيل يحققون نجاحاً في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي. كذلك، برزت أصوات داخل الحزب الجمهوري تنتقد إسرائيل وتحمّلها مسؤولية الحروب الأخيرة في الشرق الأوسط.
وتمكنت “حماس” من إعادة تركيز الرأي العام العالمي على ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة، وجعلت إسرائيل تواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في أنحاء عديدة من العالم، فضلاً عن ازدياد أعداد الشباب الذين يعبّرون عن تأييدهم لـ”حماس” علناً، في الولايات المتحدة وأوروبا، ويدّعون أن أحداث السابع من أكتوبر لم تقع، بل يشككون في حق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية. وهذه المواقف لم تعد تقتصر على الهوامش البعيدة لأحزاب هامشية في السويد أو كوراساو، بل أصبحت موجودة أيضاً بين مؤيدي الشخصية الأبرز في الحزب الديمقراطي، رئيس بلدية نيويورك، التي تُعد أكبر مدينة يهودية في العالم خارج إسرائيل.

مؤسسة الدراسات الفلسطينية
مؤسّسة بحثية مستقلة وغير ربحية، متخصصة في دراسة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتمتد نشاطاتها إلى وثيقة التاريخ، الحقوق، والسياسة. تأسست في بيروت عام 1963 على يد عدة مثقفين عرب وفلسطينيين من بينهم قسطنطين زريق، وليد الخالدي، وبرهان الدجاني.
