في الوقت الذي لا يزال السؤال المركزي في الحملة الانتخابية هو: مَن سيتمكن من استبدال نتنياهو، إذا كان ذلك ممكناً أصلاً؟ فإن السؤال الذي يكاد لا يُطرح هو: ماذا سيحلّ محله، إذا حدث ذلك، ومتى؟ أي ما السياسة البديلة التي ستسير إسرائيل وفقها في حال لم يعُد حزب الليكود يقودها؟
والحقيقة المؤسفة هي أننا لم نسمع حتى الآن ببديل استراتيجي حقيقي. فعلى سبيل المثال، يُعدّ شاؤول ميريدور مرشحاً جديداً وممتازاً للكنيست عن حزب «يشار»، لكنه عندما سُئل عن موقف حزبه من إقامة دولة فلسطينية، أجاب بمراوغة تميّز سائر ممثلي الأحزاب: «هذا الأمر لا صلة له بهذه الولاية». حتى إن «حكومة التغيير» ادّعت أن العملية السياسية ليست ذات صلة، لكن الزمن لا يقف ساكناً، والواقع الذي طرأ في السابع من أكتوبر أثبت أن القضية الفلسطينية شديدة الأهمية.
فالعملية السياسية تحتاج إلى وقت، سواء لتهيئة النفوس لدى الطرفين، أو لضمان أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح وغير قادرة على مزيد من التهديد، وفي الوقت نفسه مقبولة من الفلسطينيين أنفسهم.
طبعاً، يمكن معارضة أيّ تسوية، كما يقترح نتنياهو، لكن طريق التجاهل يشكّل جزءاً من التصور الذي قاد إلى «المجزرة».
إن المنظومة السياسية، بكل أطيافها، تقترح التركيز حصراً على ضمان الأمن، وكأنه لا يوجد بديل من هذا الطريق. لكن لا يمكن خوض القتال على جميع الجبهات إلى ما لا نهاية، لا من حيث التكلفة الاقتصادية، ولا من حيث التكلفة الإنسانية بالتأكيد. فضلاً عن ذلك، تشكّل التسويات السياسية أيضاً مفتاحاً لحلّ قضايا أُخرى، مثل تجنيد الحريديم، الذي لن يكون ضرورياً عندما تنتهي الحروب، والاستثمار في التعليم، ومكافحة الجريمة في المجتمع العربي، وغيرها من القضايا التي ستبقى مهمّشة إذا استمر تركيز ميزانية الدولة على الأمن وحده.
والمحزن أنه كان في الإمكان البدء بتوجيه إسرائيل نحو فصل جديد، بعد ثلاثة أعوام من الحرب، لكن السياسيين يقترحون الاستمرار في العيش ضمن الواقع نفسه. وهذا يشبه حال مَن يخسر معركة لأنه استعدّ لخوض الحرب السابقة. لقد أظهرت إسرائيل قوة هائلة على جبهات متعددة، ويجب تعزيز الجيش الإسرائيلي وتحديثه وإبقاؤه يقظاً على الحدود. لكن ليس من قبيل المصادفة أن يصف ترامب نتنياهو بأنه «أفضل رئيس وزراء لزمن الحرب» عندما يُطلب منه الإشادة به.
والإيحاء الكامن في كلام ترامب هو أنه يجب اختيار قائد يستطيع التعرّف إلى الفرص التي فُتحت: فقريباً ستُجرى انتخابات السلطة الفلسطينية، والعالم العربي يعيد تنظيم نفسه أيضاً، والتهديد الإيراني تراجع بدرجة كبيرة، على الرغم من حملات التخويف. أمّا في غزة، فقدت «حماس» جزءاً من قوتها ومن الدعم الذي كانت تحظى به.
هذا كله يفرض على رجال دولة جادين الإجابة عن أسئلة ملموسة لا تُطرح أصلاً للنقاش: هل تريد إسرائيل المضيّ قدماً في خطة «مجلس السلام»، التي تقضي بالانسحاب من القطاع وإتاحة الفرصة لإقامة حكم يحلّ محلّ «حماس»؟ وهل إسرائيل معنية بالتوصل إلى اتفاق مع سورية، ومستعدة للانسحاب من الجولان السوري من أجل ذلك؟ وهل هي مستعدة للتوصل إلى اتفاق مع لبنان، أم مصرّة على الانتظار حتى يتفكك حزب الله؟ وهو ما لن يحدث. وماذا عن السعودية؟ ألا يجدر بها الشروع في مفاوضات، ولو مجرد مفاوضات، مع الفلسطينيين من أجل تمهيد الطريق لاتفاق معها، أم أنها نتخلى عن ذلك؟
يجب أن تُطرح أيضاً مسألة العلاقات مع تركيا للنقاش: هل إسرائيل على مسار تصادمي معها، أم يمكنها أن تتعلم الدرس من المحاولة الفاشلة لتغيير النظام في إيران، وأن تحاول، خلف الكواليس، التوصل إلى تفاهمات؟
لا توجد إجابة بسيطة عن أيٍّ من هذه الأسئلة، ومن الواضح أن صدمة السابع من أكتوبر تجعل من الصعب حشد الجمهور لدعم التسويات. لكن ما دام أيٌّ من المرشحين لا يجرؤ على طرح استراتيجية جديدة، فإن الانتخابات المقبلة لن تفضي إلى تغيير حقيقي، مهما تكن نتيجتها.

مؤسسة الدراسات الفلسطينية
مؤسّسة بحثية مستقلة وغير ربحية، متخصصة في دراسة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتمتد نشاطاتها إلى وثيقة التاريخ، الحقوق، والسياسة. تأسست في بيروت عام 1963 على يد عدة مثقفين عرب وفلسطينيين من بينهم قسطنطين زريق، وليد الخالدي، وبرهان الدجاني.
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية#molongui-disabled-link
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية#molongui-disabled-link
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية#molongui-disabled-link
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية#molongui-disabled-link
