الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تمثّل لحظة مفصلية في تاريخ النظام الإقليمي للشرق الأوسط.
فنحن لا نشهد اشتباكاً عابراً، بل اختباراً عميقاً لمفهوم الردع، وحدود القوة، وقدرة الأطراف على إدارة التصعيد من دون الانزلاق إلى حرب شاملة تعيد رسم خرائط النفوذ. إن هذه الحرب، حتى وإن بدت عسكرية في ظاهرها، هي في جوهرها صراع على من يملك حق تحديد قواعد اللعبة الإقليمية في المرحلة المقبلة.
صراع على الردع لا على الأرض
بخلاف الحروب التقليدية التي يكون هدفها احتلال أراضٍ أو إسقاط أنظمة، فإن هذه الحرب تدور حول مفهوم أكثر تجريداً، هو الردع الاستراتيجي، حيث تسعى إيران إلى تثبيت معادلة مفادها أنها باتت قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وأن أي استهداف مباشر لها سيُقابل بردٍّ مكلف.
وترى إسرائيل أن السماح لإيران بتعزيز قدراتها العسكرية، ولا سيما في ما يتعلق بالقدرات الصاروخية أو النووية، يشكّل تهديداً وجودياً لا يمكن القبول به. أما الولايات المتحدة، فهي معنية بالحفاظ على توازن يمنع انهيار هيكل النفوذ الذي بنته في المنطقة منذ عقود، من دون الانجرار إلى حرب استنزاف مفتوحة.
وبمعنى آخر، فإن المعركة الحالية ليست حرب تدمير شامل، بل حرب «كسر إرادة» وإعادة تعريف للخطوط الحمراء.
لماذا انفجرت المواجهة الآن؟
ثمة مجموعة من العوامل تفسّر توقيت التصعيد:
- تآكل قواعد الاشتباك السابقة: على مدى سنوات، اعتمدت الأطراف سياسة «الحرب بين الحروب»، القائمة على ضربات محدودة، ورسائل محسوبة، وردود غير مباشرة. غير أن تزايد الضربات المتبادلة جعل ضبط الإيقاع أكثر صعوبة.
- الاقتراب الإيراني من عتبة استراتيجية حساسة: كلما اقتربت إيران من امتلاك قدرة ردع متقدمة، ازدادت احتمالات السعي إلى كبحها عسكرياً قبل أن يصبح ذلك متعذّراً.
- اعتبارات داخلية: لكل طرف سياقه الداخلي الضاغط، سواء على مستوى الحسابات السياسية، أو التحديات الأمنية، أو الحاجة إلى إظهار القوة أمام الرأي العام.
- إعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى: التحولات في بنية النظام الدولي دفعت الأطراف الإقليمية إلى اختبار حدود القوة قبل استقرار موازين جديدة.
الحرب بين المحدودية والانفجار
حتى الآن، ما يميّز هذه الحرب أنها واسعة في آثارها، لكنها محدودة في نطاقها المباشر. ولا تزال الأطراف تحاول تجنّب الضربة التي قد تؤدي إلى انفجار شامل.
ويمكن توصيف هذا النمط بأنه «تصعيد مضبوط». أي إن كل طرف يصعّد، لكنه يترك للخصم هامشاً يجنّبه الاضطرار إلى ردٍّ كارثي. غير أن خطورة هذا النمط تكمن في اعتماده على دقة الحسابات، إذ إن أي خطأ، كصاروخ يصيب هدفاً بالغ الحساسية، أو ضربة تُفسَّر على أنها إعلان حرب، قد يغيّر المسار بالكامل.
السيناريوهات المحتملة لمآلات الحرب
السيناريو الأول: تثبيت ردع جديد
في هذا السيناريو، تستمر المواجهات لفترة محدودة، ثم تنتهي إلى معادلة جديدة تقوم على الآتي:
- احتفاظ إيران بقدراتها مع فرض قيود غير معلنة.
- فرض إسرائيل خطوطاً حمراء واضحة.
- تعزيز الولايات المتحدة حضورها من دون توسيع رقعة الحرب.
والنتيجة هي نشوء نظام ردع جديد أكثر توتراً، لكنه مستقر نسبياً.
السيناريو الثاني: توسّع إقليمي متعدد الجبهات
قد تتحول المواجهة إلى صراع مفتوح يشمل:
- ضربات أوسع وأشد فتكاً داخل العمق الإيراني.
- استهداف منشآت استراتيجية شديدة الحساسية.
- انخراط جبهات أخرى بشكل مباشر.
هذا السيناريو يعني ارتفاعاً هائلاً في الكلفة الاقتصادية والعسكرية، واحتمال اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية، كما قد يؤدي إلى إعادة اصطفاف إقليمي حاد بين محورين متقابلين.
السيناريو الثالث: حرب طويلة منخفضة الوتيرة
وهو السيناريو الأكثر تعقيداً، إذ لا حرب شاملة ولا سلام.
مواجهات متقطعة، وضربات محدودة، واستنزاف بطيء، وتوتر دائم.
هذا السيناريو يخلق حالة من عدم اليقين المزمن، ويحوّل المنطقة إلى ساحة توتر مستدام.
أثر الحرب على بنية الشرق الأوسط
قد تعيد هذه الحرب تشكيل المنطقة في اتجاهات عدة:
- تعزيز سباق التسلّح: إذ ستسعى الدول الإقليمية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية.
- إعادة تعريف التحالفات: قد تقترب بعض الدول أكثر من الولايات المتحدة، فيما تبحث أخرى عن توازن عبر قوى دولية منافسة، مثل الصين وروسيا.
- تحوّل في مفهوم السيادة: مع توسّع الضربات العابرة للحدود، يصبح مفهوم السيادة أقل صلابة مما كان عليه.
- تزايد أهمية الردع غير التقليدي: ةإذ ستصبح الحرب السيبرانية، والهجمات غير المتماثلة، والطائرات المسيّرة أدوات مركزية في الصراع.
البعد الدولي – هل نحن أمام إعادة تموضع عالمي؟
لا يمكن قراءة هذا الصراع في إطاره الإقليمي فقط، إذ إن له بعداً دولياً واضحاً، حيث يُختبر كل تطور فيه ضمن سياق المنافسة الكبرى على النظام الدولي. وإذا ما تحولت المواجهة إلى صراع أوسع، فقد نشهد:
- إعادة توزيع للقواعد العسكرية.
- زيادة في الإنفاق الدفاعي العالمي.
- تصعيداً في التوتر بين القوى الكبرى.
لكن في المقابل، قد تسعى القوى الدولية إلى منع انفجار شامل حفاظاً على الاستقرار الاقتصادي العالمي.
العامل الأخطر – سوء التقدير
أخطر ما في هذه الحرب ليس حجم القوة المستخدمة، بل احتمال الخطأ في الحسابات.
فعندما تتداخل الجبهات، وتكثر الأطراف، وتتصاعد الرسائل المتبادلة، يرتفع خطر الانزلاق غير المقصود.
وقد أثبت التاريخ أن كثيراً من الحروب الكبرى لم تبدأ بقرار شامل، بل بسلسلة أخطاء تراكمية.
هل نحن أمام لحظة تأسيسية جديدة؟
الحرب الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة اختبار للنظام الإقليمي بأكمله. فإما أن تنتهي بإعادة تثبيت توازن ردع جديد، أو تتحول إلى نقطة تحول تاريخية تعيد رسم الشرق الأوسط لعقود مقبلة.
حتى الآن، تبدو جميع الأطراف مدركة لخطورة الانفجار الكامل، لكنها في الوقت ذاته غير مستعدة للتراجع، ما يجعل المرحلة الحالية شديدة الحساسية.
فالمستقبل لن يُحسم فقط في ميادين القتال، بل في غرف القرار السياسي، وفي قدرة الأطراف على التمييز بين استعراض القوة والانزلاق إلى هاوية لا يمكن السيطرة عليها.
وفي منطقة اعتادت الحروب، يظل السؤال مفتوحاً: هل تتعلّم القوى من تجارب الماضي، أم أن منطق القوة سيغلب مرة أخرى على منطق التوازن؟

محمد زيات
كاتب فلسطيني، لديه العديد من المقالات المنشورة في عدة صحف ووكالات أنباء فلسطينية وعربية. يتابع حالياً دراسة الماجستير في العلوم السياسية.
