بلغت الأزمة المتصاعدة ببطء بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي ذروتها الأسبوع الماضي، بعدما نشر الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك”، داريو أمودي، مقالاً دعا فيه المختبرات الرائدة إلى ضبط وتيرة تطوير النماذج المتقدمة الواقعة عند الحدود القصوى لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. وقد شعر الجميع بأنهم معنيون بإبداء آرائهم في تداعيات رسالة أمودي.
من التأثير المحتمل لمراكز البيانات على إمدادات المياه والطاقة، مروراً بما قد يتركه توظيف الذكاء الاصطناعي من انعكاسات على فرص العمل، وصولاً إلى الأسئلة الجوهرية حول معنى امتلاك آلات تبدو قادرة على التفكير بصورة مستقلة، بل وعلى نحو أفضل من البشر؛ يبدو أن هذه التساؤلات باتت تستحوذ على اهتمام البلاد بأسرها.
هذا النقاش ليس جديداً. لكن، حتى وإن لم تتحقق بعد بعض المخاوف المتعلقة بإزاحة القوى العاملة، فإن التصريحات الأخيرة الصادرة عن باحثين مشاركين في تطوير الذكاء الاصطناعي، والتي تحدثت عن احتمال يبلغ 10 في المئة بأن يشكل الأخير خطراً وجودياً على البشرية – إلى جانب أمثلة حديثة على وكلاء ذكاء اصطناعي متمرّدين اخترقوا شبكة الإنترنت – دفعت مستويات القلق إلى مرحلة جديدة. وفي المقابل، غاب بصورة شبه كاملة عن هذا النقاش تناوُل الجانب الآخر من المعادلة – أي فوائد تطوير الذكاء الاصطناعي، بما فيها تلك المحتملة للأبحاث الطبية والتعلّم المخصّص وفق احتياجات كل فرد.
من زاوية معيّنة، يُعدّ كل ذلك غير مسبوق بصورة عميقة؛ فهذه التكنولوجيا ثورية بحقّ. لكن تبدو لي هذه التجربة برمّتها مألوفة على نحو يبعث على القلق. ففي عدد من الجوانب المهمة، تعيد المخاطر والمخاوف المحيطة بالذكاء الاصطناعي، وكذلك الاعتراض الشعبي عليه، إنتاج أصداء الجدل الذي دار على مدى العقود الماضية بشأن العولمة.
أولاً وقبل كل شيء، تثير العولمة والذكاء الاصطناعي، كلٌّ منهما، مخاوف من فقدان أعداد كبيرة من الوظائف. فمهما أكد أنصار التجارة الحرة أن العولمة كانت، في محصلتها الإجمالية، مفيدة للاقتصاد العالمي، ظلّ أولئك الذين شاهدوا الوظائف في مناطقهم تنتقل إلى الخارج غير مقتنعين بهذه الوعود.
وينطبق الأمر نفسه على الذكاء الاصطناعي. غير أن بعض المتحمسين له، وبدلاً من الحديث عن استبدال وظيفة بأخرى، يعدون بمستقبل من الوفرة، تجعل فيه مكاسب الإنتاجية التي تحققها هذه التكنولوجيا العمل أكثر كفاءة (إن لم يصبح غير ضروري) ضمن اقتصاد مزدهر. لكن هذه الصورة الطوباوية لا تبدو مقنعة. فالناس يستمدون من العمل الشعور بالقيمة والمعنى والغاية.
ثانياً، تثير العولمة والذكاء الاصطناعي معاً قضايا مهمة تتعلق بتوزيع المكاسب. فالأولى، رغم جميع الانتقادات التي أثارتها، أسهمت بالفعل في خفض أسعار السلع والخدمات. وعمّت الاستفادة، من المواد الغذائية إلى الهواتف، من اقتصاد عالمي أكثر ترابطاً وتكاملاً.
إلا أن إحدى مشكلات العولمة تمثلت في أن منافعها، وإن كانت واسعة الانتشار، لم تُوزَّع بالتساوي، كما بقيت غير مرئية إلى حد بعيد. فبدلاً من ذلك، ساد الاعتقاد بأن العولمة أفادت الشركات الكبرى والمستثمرين وشريحة ضيقة من الأفراد بدرجة تفوق كثيراً ما عاد منها على عامة السكان.
وقد بدأنا بالفعل نشهد الدينامية نفسها تتكرر مع الذكاء الاصطناعي. لكن، في حالة الأخير، تُضَخ تريليونات الدولارات في هذا القطاع، ما يؤدي إلى إثراء عدد محدود من الأفراد والشركات، قبل وقت طويل من حصول البلاد، بمجملها، على الفوائد المادية لهذه التكنولوجيا. فالطفرة الموعودة في الإنتاجية ستتأخر سنوات، وربما عقوداً، عن عملية إنتاج المزيد من أصحاب المليارات في سان فرانسيسكو.
وبعيداً من الاعتبارات الاقتصادية البحتة، تؤدي العولمة والذكاء الاصطناعي كلاهما إلى تقليص شعور الأفراد بأنهم يمتلكون القدرة على الفعل والتحكم في مصائرهم. ففي حالة الأولى، أفسحت الاقتصادات المحلية والمورّدون المحليون، حيث كانت مصادر السلع والمواد معروفة ومألوفة على نطاق واسع، المجال أمام سلاسل توريد عالمية متشعبة ومتناثرة، تُتخذ القرارات المتعلقة بها في أماكن بعيدة على أيدي أشخاص مجهولين. وقد أثبت هذا التحول أنه مصدر للقلق. لا بل يعكس جزء من معارضة العولمة رغبة في استعادة زمام السيطرة.
وقد يكون هذا الأمر أكثر وضوحاً في حالة الذكاء الاصطناعي. فدقة النموذج اللغوي الكبير تعتمد على مليارات، بل ربما تريليونات، من المعاملات الداخلية التي يجري تعديلها من خلال عملية تُعرف باسم “التدريب”، حيث ينتج النموذج المخرج الصحيح استجابةً لمدخل معيّن. ويُضاف إلى ذلك أن النظام الذي يعالج تلك النقاط البيانية إنتاجاً لإجابة صحيحة يبقى، في جوهره، صندوقاً أسود بالنسبة إلينا جميعاً. فنحن لا نفقه كيف تنتج الشبكة العصبية الإجابة، ولا سبب إنتاجها بهذه الطريقة أو تلك. والحال أننا في هذا السياق نتحدث عن تسليم السيطرة على مساحات شاسعة من حياتنا واقتصادنا إلى نظام يتعذر، في صلبه، اختراق آلياته أو فهمها.
وأخيراً، ثمة تشابه بين العولمة والذكاء الاصطناعي في الإحساس بأن كلاً منهما مسار حتمي لا مفر منه. فقد ارتبط ظهور العولمة باختراع حاوية الشحن، التي أتاحت توزيع سلاسل الإمداد على مختلف أنحاء العالم، وانتشار الإنترنت عريض النطاق، الذي فتح بدوره الباب أمام تقديم الخدمات من أي مكان يصل إليه الإنترنت، أكثر من ارتباطه بأي سياسة تجارية بعينها.
ونسمع أصداء مشابهة في ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي. فالدافع الاقتصادي إلى رفع الإنتاجية، إلى جانب سرعة التطور وإمكانية تطوير القدرات ذاتياً من دون تدخل بشري، ضمن عملية تُعرف باسم “التحسين الذاتي المتكرر”، كلها عوامل تعزز هذا الشعور بالحتمية. ويحدث كل ذلك في سياق منافسة متعددة الأبعاد بين الولايات المتحدة والصين.
فهل يستطيع الذكاء الاصطناعي تجنُّب بعض المزالق التي ابتُليت بها العولمة؟
لا بد من إيلاء اهتمام أكثر جدية لما ينبغي القيام به، من جانب الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية وغيرها، لمساعدة العاملين على الصمود والازدهار في اقتصاد سريع التحول. فقد كانت الاستجابة لتداعيات العولمة غير كافية. أما اليوم، فثمة قدر مفرط من الاكتفاء بتأمل المشكلة والقلق حيال الذكاء الاصطناعي، في مقابل قدر ضئيل للغاية من العمل الفعلي الهادف إلى إيجاد الحلول ودعمها.
ثم، على غرار التجارة العالمية، من شأن الذكاء الاصطناعي أن يستفيد من وضع مجموعة من المعايير الدولية – ويُفضَّل أن تضطلع الولايات المتحدة بدور قيادي في تصميمها. فلو لم تكن الأخيرة منخرطة في منافسة مع الصين، لربما كنا جميعاً سعداء بإبطاء المسار إلى أن نتمكن من حل مسائل السلامة ومواءمة الذكاء الاصطناعي مع القيم والأهداف البشرية. لكنه ترف لا نملكه.
من المقرر أن يلتقي وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، نظيره الصيني في مدينة نيويورك (اليوم الأحد)، لمناقشة عدد من القضايا، من بينها التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي. إنها بالطبع خطوة مهمة. وهنا لا يسع المرء إلا أن يأمل في أن تشكّل بداية لمحادثات أوسع نطاقاً وأكثر جدوى.
ترجمة بتصرّف
بقلم / مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
