كثيراً ما يشجّع المواطنون المسؤولين على اعتماد سياسة «الباب المفتوح»، فيطلبون من الوزراء والمديرين العامين والموظفين استقبالهم في أي وقت، وحل مشكلاتهم، وإنجاز معاملاتهم، والاستماع إلى شروحهم ومآخذهم. وينطبق الأمر نفسه عند طلب مواعيد من كبار المسؤولين، مثل فخامة رئيس الجمهورية، ودولة رئيسَي مجلس النواب ومجلس الوزراء، ورؤساء الطوائف، وغيرهم.
كما أن اعتماد سياسة الباب المفتوح يشكّل، لدى بعض الزملاء المحامين، واحداً من معايير انتخاب الأعضاء والنقباء، إلى جانب معايير كثيرة أخرى، بطبيعة الحال. وكان أحد النقباء يردّد دائماً: «الباب المفتوح هو للعمل، وليس للتسلية»، بمعنى أنه يُفتح أمام مَن يرغب في عرض مشكلة، أو تقديم اقتراح، أو مناقشة برنامج معين، لا أمام الزيارات التي تقتصر غايتها على التسلية وإضاعة الوقت.
وفي جميع المجالات التي ذكرناها أعلاه، ابتداءً من فخامة رئيس الجمهورية وصولاً إلى أصغر مسؤول، تؤدي كثرة الاستقبالات غير المنتجة إلى إضاعة وقت المسؤول، وإرهاقه، وتشتيت تفكيره. وقد يمضي معظم وقته في استقبال زيارات متفرقة، بما يمنعه من التفكير والتركيز على العمل، ومن وضع المشاريع الاستراتيجية والتكتيكية التي تدخل ضمن اختصاصه وتستند إلى خبرته.
ومعظم الزيارات تكون بروتوكولية، وبعضها يكون استعراضياً أو شعبوياً أو مطلبياً. ومن باب تغيير الأجواء، وعلى سيرة الزيارات المطلبية، من قبيل نقل موظف أو عسكري من مكان إلى آخر، طلب مني أحد السياسيين، ذات مرة، مرافقته في زيارة إلى الرئيس الراحل إلياس الهراوي، قائلاً لي إن الرئيس كان يسأل عنه دائماً منذ الأيام التي كنا نجلس فيها في مكتبي خلال مرحلة تجمّع النواب الموارنة المستقلين.
دامت الزيارة ربع ساعة. شرح السياسي للرئيس أن قريبه، الذي يعمل حلاقاً، يتعرض لمضايقات. ثم اطمأن الرئيس والسياسي إلى أحوال بعضهما بعضاً وإلى أحوال عائلتيهما، وغادرنا.
وفي المساء، لم يبقَ إعلامي إلا واتصل للاستفسار عن موقف فخامة الرئيس من القضايا الوطنية التي كانت سائدة ومطروحة آنذاك. وعبثاً حاول السياسي إقناع الإعلاميين بأن الزيارة كانت خاصة.
بطبيعة الحال، ثمة زيارات واجتماعات تكون مفيدة للغاية، وهذا ما نشجّع عليه. لكننا لا نشجّع على الزيارات الاستعراضية التي لا فائدة منها، ولا سيما أن وقت المسؤولين ثمين، ويُفترض أن يستثمره المسؤول في الإنتاج والتخطيط، وفي البحث عما يحقق المصلحة الفضلى للأشخاص الذين تقع مسؤوليتهم على عاتقه.
وكان المحامي الشيخ أنطوان الجميّل يقول لنا إن مكاتب المحاماة في الولايات المتحدة تقسّم المحامين إلى أقسام عدة: قسم للكتابة، وقسم لإجراء البحوث والتفتيش في المراجع، وقسم لحضور الجلسات؛ لأن لكل واحد منهم مهمةً مختلفةً عن الآخر. فلا يمكن المحامي المخضرم والخبير في القضايا أن يقوم بالعمل نفسه الذي يقوم به المحامي المتدرّج، لأن للوقت ثمناً، وساعة عمل هذا المحامي تختلف في قيمتها وطبيعتها عن ساعة عمل ذاك.
كما يقول المحامي سامي أبو جودة إنه، في بعض الأحيان، إذا طلب منه شخص زيارته، وكان يعرف أن «فتيلته طويلة»، أي إنه يجيد إضاعة الوقت وإطالة الحديث، يقول له: «أنا أحضر إلى مكتبك». فهو، بهذه الطريقة، يستطيع إنهاء الاجتماع والمغادرة ساعة يشاء. فالوقت ثمين، ويجب حسن الاستفادة منه.
وفي هذا المجال، يمكن القول إن المسؤول الناجح هو الذي يكلّف معاونيه ومستشاريه استقبال أصحاب العلاقة، والاستماع إلى مطالبهم بتأنٍّ ودقة، وتدوين الملاحظات تمهيداً لمعالجتها أو تلبيتها إذا كانت قانونيةً ومحقّةً. كما يتعين عليه اختيار معاونيه بعناية، لأن بعضهم قد يعمل وفق مزاجه الخاص، ويسيء إلى المسؤول، ويسوّد صفحته أمام الناس.
وخلاصة الكلام أن على المسؤول عدم الإفراط في الاستقبالات التي لا طائل منها، والتي يكون هدفها الاستعراض أو الشعبوية أو تحقيق المطالب الشخصية، والاكتفاء باللقاءات السريعة والمفيدة، حفاظاً على الإنتاجية والعمل بصفاء ذهني.
فمهمة المسؤول لا تقتصر على الأعمال الروتينية اليومية، وتسيير المرافق، وإدارة الأزمات بحكمة، بل تشمل أيضاً العمل على المشاريع التي تحتاج إلى خبرة ومتابعة وصبر، كحل أزمة السير والدراجات النارية، ومعالجة أزمة النفايات، وإنشاء السدود والاستفادة من المياه بدلاً من هدرها وصبّها في البحر، وحل أزمة الكهرباء بصورة جذرية، وتحديث الإدارات بالكامل، ومعالجة ملف أموال المودعين، واستحداث برامج جديدة في وزارة التربية، وغيرها من القضايا التي تحتاج إلى إيلائها العناية اللازمة، والاستعانة بأصحاب الخبرة والاختصاص، وتكريس الوقت الكافي لها.

ناضر كسبار
نقيب المحامين السابق في بيروت.
