اليوم الصحافة والمحررين… وغداً بقية النقابات

يوم كنا نُعدّ مشروع النظام الداخلي للجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان في نقابة المحامين في بيروت، برئاسة المحامي الدكتور عبد السلام شعيب – رحمه الله –، وكنا في الجلسة التي ضمّت المحامين غسان مخيبر، وفادي كرم، وجمال فاخوري (رحمه الله)، والمرحوم سليمان تقي الدين، قال النائب السابق مخيبر: «ليس هناك أسهل من شتم العدو، فيصفّق الجميع. أما في الأمور الداخلية، فيجب انتقاء كل كلمة وكل عبارة، خصوصاً بما يتعلق بالحريات العامة وحقوق الإنسان، ونطاق تطبيقها والمسائل التي تشملها». كلام صحيح وفي محلّه.

للأسف، يعيش جماعة ممن يدّعون تمثيل المجتمع المدني، ومعظمهم مرتبط بالخارج، على الشعارات الشعبوية وعلى استعمال عبارة «الحريات العامة وحقوق الإنسان». فإذا حاول المسؤولون وضع حدّ للفلتان الإعلامي، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي، تقوم القيامة عليهم، ويتهمونهم بالتخلّف وبخنق الأصوات الحرة، وكأنه من المسموح المسّ بكرامات الناس وبأعراضهم وشرفهم من قِبل مَن لا يقدّرون هذه المبادئ.

وإذا غصنا في ملف أكثر دقة وأكثر حساسية، مع علمنا الأكيد بأن بعض الأصوات قد لا تقدّر ما نطرحه من مبادئ ومحاذير ومخاطر، فهو ملف إنشاء النقابات، الذي بدأ، للأسف، في الفصل السابع من قانون الإعلام الجديد، وتحديداً في المادة 115، الفقرة «هـ»، حيث ورد فيها: يتمتع الصحافيون، دون تمييز، بحق تأسيس نقابات أو الانضمام إليها بحرية… إلخ.

هذه المادة تطرح عدة أسئلة وتؤدي إلى المحاذير الآتية:

يوم كنا في كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية عام 1979، قال لنا المحامي البروفسور جورج خديج: «لن أسامح الأميركيين الذين أرسلوا لنا الجينز». وعندما استغربنا، أضاف: «اليوم الجينز، وغداً حلقة في الأذن».

فإمكانية إنشاء نقابات جديدة تعني أن هذا الأمر الخطير – وأشدّد على كلمة «خطير» – قد ينسحب على بقية النقابات. فهل الحفاظ على الحريات العامة وحقوق الإنسان يكون بإنشاء عدة نقابات للصحافة وللمحررين وللمحاماة وللطب والهندسة وغيرها؟ وهل يعلم القيّمون على التشريع خطورة هذا الأمر؟ ومن يكفل ألّا يصدر قانون مشابه لقانون الإعلام، يعطي المجال لإنشاء نقابات للمهن الحرة؟

ولنعطِ مثلاً واقعياً: نقابة المحامين.

  • تأسست نقابة المحامين في بيروت عام 1919، أي قبل ولادة دولة لبنان الكبير، وتأسست نقابة المحامين في طرابلس عام 1921، أي بعد ولادة دولة لبنان الكبير بسنة واحدة.
  • على مرّ السنين، طوّرت النقابتان أنظمتهما وإدارتهما، مستفيدتين من التجارب والخبرة وحكمة كبارهما، ومن التنسيق بينهما قدر المستطاع. ونقول «قدر المستطاع» لأن عشرات المحامين المسجلين في نقابة طرابلس يشغلون مكاتب في نطاق نقابة بيروت ويمارسون المحاماة فيها، فيما يفعل عدد أقل من محامي بيروت الأمر ذاته في نطاق نقابة طرابلس.
  • يعاني المحامون، بصورة عامة، من مسألة تبليغ زملائهم في عدد كبير من الملفات. ولكن المعاناة تصبح أكبر عندما يودّ المحامي في بيروت إبلاغ زميله في نقابة طرابلس، الذي يشغل مكتباً في نطاق نقابة بيروت، والعكس صحيح. فيُطلب منه إبلاغه في مكتبه الرسمي، وقد يكون يشغل المكتب الرسمي أو لا يشغله. فماذا يحصل؟ تتوقف التبليغات، وتؤجَّل الجلسات، وتدوم الدعاوى سنوات، ويضطر المحامون إلى مراجعة نقابة المحامين التي ينتمي إليها الزميل لإبلاغه موعد الجلسة. وكذلك الأمر إذا حلّ محل زميله، أو ارتكب جرماً مسلكياً معيناً، فإن نقابته هي التي تحقق معه، ويقرر النقيب ما يراه مناسباً، من حفظ الشكوى، أو توجيه تنبيه شفهي أو خطي، أو إحالته أمام المجلس التأديبي من عدمها.
  • إن النقابة التي تحوز الخبرة والحكمة، وتضم العدد الأكبر من المحامين، تكون أقوى من عشرات النقابات الصغيرة التي لا يكون صوتها مسموعاً، أو التي قد تتناحر في ما بينها، أو تحمي هذا المحامي أو ذاك من دون مبرر.

في كتابي حول مواقف وطرائف القضاة والمحامين، أوردت في الصفحة 126 الطرفة الآتية:

نقابة تضم ثمانية محامين

يقول النقيب ميشال خطار إن نقابة المحامين في بيروت هي من أعرق النقابات وأكثرها أهمية، بخاصة أنها تضم أكثر من أحد عشر ألف محامٍ، في حين أن بعض النقابات في دول العالم لا تضم أكثر من بضعة محامين.

وفي هذا المجال، يقول إنه التقى مرة نقيب محامي منطقة في سويسرا، وأبدى اهتماماً شديداً به، فقال له النقيب السويسري:

– خفّف عنك يا أستاذ خطار، فنحن لسنا سوى ثمانية محامين، بمن فيهم أنا.

.Ne vous emballez pas, Me Khattar, nous ne sommes que huit, y compris moi-même

إذا قال جماعة المجتمع المدني، الذين يدّعون الحفاظ على الحريات العامة وحقوق الإنسان، إن هذا الأمر يدخل ضمن حرية الإعلام وحرية إنشاء نقابات جديدة، فلماذا لا ننشئ عدة مجالس نيابية، وعدة قيادات للجيش، وعدة مجالس نواب، وعدة مجالس قضاء أعلى… إلخ؟

إنه كلام شعبوي خطير يضرب على الوتر الحساس، لأنه ليس أسهل من أن ننسب كل شيء إلى الحريات العامة. وكأنه إذا كانت هناك نقابة واحدة تضم الجميع، فهذا يعني أنه لا توجد حريات عامة!

إنهم يضربون المبادئ الأساسية ويضربون القيم.

هذه هي الفوضى.

مقالات الكاتب

ناضر كسبار

نقيب المحامين السابق في بيروت.