من أشد العقوبات الجنائية على الإطلاق عقوبة الإعدام، التي تقضي بوضع حد لحياة شخص بناءً على حكم قضائي مبرم.
ولا تُنزَل هذه العقوبة بالمجرم بناءً على فعل جنائي بسيط؛ فالقاتل الذي يخطط تخطيطًا مدروسًا من أجل قتل شخص أو أشخاص آخرين يكون قد ارتكب جريمته قصدًا وعن سابق تصور وتصميم. ومن هنا، انتقدنا القانون الذي صدر في عهد المغفور له الرئيس إلياس الهراوي، والذي نص على عقوبة الإعدام عند توافر القصد، لا سابق التصور والتصميم، ومنع القاضي من منح الأسباب التخفيفية. وهو القانون الذي أُطلق عليه يومها شعار: «القاتل يُقتل».
وقد أعطينا مثلًا يؤيد نظريتنا: فإذا دخل مجرم منزلًا، وهرب أحد الأولاد إلى المتخت، وشاهد ما يحصل من أعمال اغتصاب لوالدته وشقيقاته، وقتلهن بدم بارد، ومن أعمال تعذيب بحقهن وبحق أشقائه ووالده، ثم قتلهم بعد ذلك؛ وبعد فترة، التقى هذا الولد القاتل مصادفةً وقتله، فهل يُحكم عليه بالإعدام ولا يحق للقاضي منحه الأسباب التخفيفية؟
وما يهمنا هنا هو الإضاءة على عدة نقاط، أهمها:
أولًا: إن عقوبة الإعدام هي التي تردع المجرمين عن ارتكاب جرائمهم عن سابق تصور وتصميم، فيفكرون ألف مرة قبل ارتكابها، خصوصًا في بلد مثل لبنان، الذي يضم لبنانيين وغرباء يستسهل بعضهم ارتكاب الجرائم بدم بارد.
ثانيًا: إن معظم الذين يتابعون الملفات الجزائية بعمق يؤيدون عقوبة الإعدام؛ لأنهم يعايشون الوقائع الفظيعة والقاسية المرتبطة بارتكاب جرائم القتل والتعذيب.
ثالثًا: إن مَن يتابع الملفات يعلم جيدًا أن القاتلين ليسوا، كما يصورهم البعض، مرضى نفسيين لا يستوعبون ما يفعلونه. فالمجرمون الذين يرتكبون هذه الجرائم قد يكونون من أصحاب النفوذ، أو من تجار المخدرات، أو ممن يتملكهم الجشع، وهم ليسوا مرضى على الإطلاق.
يروي المحامي اللامع سامي أبو جودة أن امرأة ذهبت إلى عيادة طبيب، وأخبرته أنها تحب معاشرة الرجال، حتى أولئك الذين تتعرف إليهم فجأة. فقال لها الطبيب:
– ولكن أن تفعلي ذلك هو مرض.
فقالت له:
– إذا بتسمح، أعطني ورقة تثبت أنني مريضة؛ لأنهم يقولون عني في الحي إنني «ش».
نعم، هذه أمور يتحدث عنها مَن يدّعون الحفاظ على الحريات العامة وحقوق الإنسان؛ لأنهم لا يتابعون الملفات الجزائية بعمق، وبعد قليل سيدافعون عن القاتل وكأنه مريض ومظلوم.
رابعًا: يأتي مَن يقول إنه يقتضي إصلاح المجرم القاتل، لا إعدامه. ولكن، ماذا عن الضحايا الذين يرقدون تحت التراب؟ وماذا عن ردع الآخرين عن ارتكاب الجرائم لكي يدخلوا بعدها الإصلاحية؟ ولماذا لا يُصلَح المجتمع قبل ارتكاب الجرائم؟ ومَن يقول إن هؤلاء المجرمين يمكن إصلاحهم؟
خامسًا: إذا كانت النظرية تقول إن الله هو الذي يعطي الحياة وهو الذي يأخذها، فمَن سمح للمجرم بأن يسلب الضحايا حياتهن بعد اغتصابهن وتعذيبهن؟ ثم إن الله خلق الإنسان حرًا، ولا ننسى القول: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟». فكيف يحق للسلطة، في هذه الحالة، أن تسلبه حريته بالحكم عليه بالسجن المؤبد؟ وهل «شغلتنا» أن نعذب الآخرين مدى الحياة، كما يقترح البعض من خلال الحكم المؤبد؟
سادسًا: نحن لا نوافق، على الإطلاق، على إصدار أحكام بالإعدام في جرائم لم يثبت فيها أن المتهم هو القاتل، وأنه ارتكب جريمته عن سابق تصور وتصميم. فالقانون ينص على البراءة عند الشك أو عدم كفاية الأدلة، حتى لو عُثر على تسعة وتسعين دليلًا من أصل مئة. ولكن هذا الأمر لا يعني أن نلغي عقوبة الإعدام بسبب خوفنا من وقوع الخطأ.
سابعًا: نحن نعلم أن دولًا أجنبية طلبت من لبنان إلغاء عقوبة الإعدام، مع أن دولًا كثيرة لا تزال تطبقها، بما في ذلك بعض الولايات الأميركية. ولكن، هل يشبه لبنان غيره من الدول المتحضرة التي تدقق في كل شاردة وواردة، وخصوصًا في مسيرة كل مَن يدخل أراضيها، بخلاف ما يحصل في لبنان؟
ثامنًا: بمحبة، ومن أجل لفت النظر فقط، إذا كان المسؤولون مقتنعين بإلغاء عقوبة الإعدام، فلماذا جرى تسليم الضابط السوري الذي قد يواجه هذه العقوبة؟ علمًا بأن فخامة رئيس الجمهورية وقّع قانون إلغاء عقوبة الإعدام قبل يوم الخميس، وهو اليوم الذي يُنشَر فيه القانون في الجريدة الرسمية، وفي الوقت عينه يوم انتهاء مهلة التسليم؛ ما يتيح للبنان عدم تسليمه إلى بلد يطبق عقوبة الإعدام.
إنها ملاحظات نوردها بمحبة، ومن أجل المنفعة العامة، ومن دون أي خلفيات.

ناضر كسبار
نقيب المحامين السابق في بيروت.
