عيوننا المقاتلة ترقب ناراً خلف خطوط الحذر

في فكرنا العسكري الخالص، الذي لا يرى في محاولات الالتفاف على اللحظة والدوران حول المشهد، بالارتكان إلى مساومة هنا، وتصريح هناك، وتفاؤل بوسطاء… إلخ، إلا دسًّا للرأس في النار لا في التراب، لم يبدأ الأمر من القلق المحيط بالانسحاب الأميركي من سورية، وقريبًا من العراق، بما يعيد إلى الأذهان مشهد أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي منها؛ ولن ينتهي عند رفع سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي الخطوة التي «طبّل العالم وزمّر لها كثيرًا»، في حين غفل عن أن خطوات كهذه لا تهدف إلا إلى منح ترامب قوة قانونية في إبرام صفقاته الخاصة قبل صفقات بلاده، وتأمين سطوته في «مجلس سلامه»، وتخفيف عبء انقطاعه عن العالم بفعل العقوبات التي فرضها هو، علاوة على سحب نفوذ الصين وروسيا وإيران وغيرها، الذي تسلل وتشكّل بفعل حالة المنع السابقة.

لكن المخاوف لا تكمن هنا. وربما دلّت محاولة تقليب النار، التي مثّلتها تصريحات براك بشأن انعدام جدوى المباحثات الإسرائيلية–اللبنانية في غياب حزب الله وإيران، على شيء من افتعال حالة خلط الأوراق لدى من يريد الاحتيال على ترامب ومسايرته بعبارة: «توكّل على الله، يصير خير»، من أجل تقطيع الوقت. وعلى صعيد مقابل، يتعامل ترامب مع هذا التكتيك من خلال دفع تركيا إلى التسلل تحت عباءة محبته لرئيسها، الذي لا يعرف من أسباب هذا الحب سوى كراهية أوباما له، أي أردوغان.

لقد قادت مراقبتنا العسكرية الخالصة لملعب «أعداء الأعداء»، حيث يجري ضرب الكرات بعصا البلياردو وبيد تاجر أميركي لا يريد الانغماس في قتال مباشر يتحمل هو مسؤوليته، وفي إطار مجموعة من المصالح التجارية والسياسية والعسكرية، إلى نتيجة بُنيت على أضلاع التسلل التركي إلى سورية ولبنان والسودان وليبيا والعراق وغيرها؛ ومجابهة السعودية لهذا التمدد بالسير بمحاذاته؛ ومحاولة مصر الإمساك بعصا تحريك الأحداث من أعلى مساحة الإسلاميين؛ وتراجع الحزم العراقي في شأن تسليم سلاح الفصائل، بعد تحديد موعد نهائي لذلك، وقلبه إلى بداية مسار تدريجي؛ ناهيك عن الاقتراب من إيران، واللعب معها في موضوع استثناءات هرمز.

إنها فكرة حكم المنطقة بدفاتر المسؤولين الأميركيين وخلاصة دراساتهم وأبحاثهم، التي لا تعرف عن المنطقة سوى أفكارها المتخيّلة، والمبنية على نسيج شخصيات كرتونية تقود المنطقة بمنطق «حاضر، سيدي»، وتقود شعوبها بذريعة «طهارة النسب».

لم ترَ نتيجتنا هذه في مستقبل المنطقة، ولا سيما مستقبل إسرائيل ودول الخليج، مشهدًا مماثلًا لأفغانستان فحسب؛ فالأمر يتعدى ذلك بكثير. لن تكون هناك سيطرة لتنظيم واحد على بقعة واحدة، لأن الأمر هذه المرة مختلف تمامًا. فالدعم التركي للحركات الإسلامية سيترك أثره في كل أرض توجد فيها، في مقابل التخفي خلف واجهات التنازع. وستجد المنطقة، ولا سيما الدول التي أشرنا إليها، نفسها فجأة محاطة بـ«اللحى من جميع النكهات» على مختلف جبهاتها.

تدرك إسرائيل وجود مخاطر مشابهة، لكنها لم تصل، حتى اللحظة، إلى تصور امتدادها إلى هذا الحد. وكذلك الولايات المتحدة، التي انشغلت إدارتها بتحريك النار، في حين انشغلت معارضتها ببيان ارتداداتها على الولايات المتحدة نفسها. غير أن كلا الطرفين غافل عن ثمن باهظ ستُجبر الولايات المتحدة وإسرائيل ودول المنطقة على دفعه.

وقد قلنا سابقًا إن إسرائيل ودول المنطقة لن ترضخ للحل الذي سنطرحه عندئذٍ فحسب، بل ستدعمه، فوق ذلك.

مقالات الكاتب

د. راشد الشاشاني

أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.