لقد كنت أفكر كثيراً في إسرائيل في الآونة الأخيرة، وهذا يعني أنني كنت أقلق بشأن مستقبلها، وعلاقتها بالولايات المتحدة، ووضع اليهود في هذا البلد وحول العالم.
من الصعب أن يكون المرء متفائلاً. فإسرائيل اليهودية والديمقراطية تلقت منذ نشأتها قدراً كبيراً من الدعم الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي من الولايات المتحدة. أما مستقبل هذا الدعم، فهو الآن موضع شك جدي.
ثمة أسباب عدة لذلك. بداية، هناك التغيير الجيلي. فعدد يتضاءل بازدياد من الناس هنا وحول العالم باتوا يرون إسرائيل ملاذاً آمناً ضرورياً لليهود، أُنشئ رداً على أهوال المحرقة. وعدد أقل بات يراها مثل داود في مواجهة جالوت المنطقة، مهددة بأن تُلقى في البحر في أي لحظة. لكن على العكس من ذلك، بات كثيرون ينظرون إلى إسرائيل، على نحو متزايد، بوصفها جالوت، أو ما هو أسوأ. لقد كان هذا المسار قائماً قبل غزة، لكن ما حدث هناك منذ السابع من أكتوبر سرّع هذا الاتجاه بوضوح.
نعم، قد يكون انتقاد إسرائيل ومعاداة الصهيونية، كلاهما، معاداة مقنّعة للسامية. لكن انتقاد السياسة الإسرائيلية من جانب الأميركيين، سواء داخل الحكومة أو خارجها، أمر مشروع. ولا سيما في ضوء حرب إسرائيل الخاطئة والاختيارية في إيران، وتجاوزاتها في غزة بعد هجمات السابع من أكتوبر، وفشلها في كبح الاستيطان ومصادرة الأراضي وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، وامتناعها عن طرح رؤية أو خطة لمعالجة التطلعات الفلسطينية، إذا ما تمت تلبية المخاوف الأمنية الإسرائيلية المشروعة. فمنح إسرائيل شيكاً على بياض، على شكل دعم غير مشروط، لم يخدمها في السابق ولا يخدمها الآن.
والآن تواجه إسرائيل رد الفعل العكسي: داخل الحزب الديمقراطي بسبب غزة، وداخل الحزب الجمهوري بسبب إيران. وقد يأتي اليوم الذي لا تعود فيه إسرائيل قادرة على التعويل على الدعم الأميركي في الأمم المتحدة أو في محافل أخرى لدرء العقوبات.
لقد اتخذت المؤسسات اليهودية المنظمة في الولايات المتحدة بعض الخيارات السيئة جداً. فهي، ففي السنوات الأخيرة، اصطفّت بصورة متزايدة مع اليمين الإسرائيلي ومع بنيامين نتنياهو. وقد خاضت لجنة الشؤون العامة الأميركية ـ الإسرائيلية، أي AIPAC، لعبة الداخل، مركزةً قبل كل شيء على الأصوات في الكونغرس. لكنها توقفت إلى حد كبير عن خوض لعبة الخارج، وخسرتها في هذا البلد، وخصوصاً في الجامعات.
لا ينبغي أن يُقرأ أي من ذلك بوصفه تأييداً للفلسطينيين، فضلاً عن قيادتهم. فقد أتيحت لهم فرص كثيرة لتحقيق سلام سخي، لكنهم أضاعوها جميعاً. و”حماس” سيئة بكل المقاييس، سواء تجاه الشعب الفلسطيني أو تجاه الإسرائيليين. هكذا، إن غياب الضغط على القيادة الفلسطينية من أجل الإصلاح، إلى جانب إفراد هذه القضية بعينها بما يفوق أي قضية أخرى في العالم، يمنح قدراً غير قليل من المصداقية للاتهام بأن خصوم إسرائيل يعجّون بالمعايير المزدوجة، وأن دافعهم، في جزء غير ضئيل، هو معاداة السامية. ومع ذلك، فإن من الممكن، بل ومن مصلحة إسرائيل، أن تتصرف بطرق قادرة على كسب غالبية الناس في هذا البلد وفي العالم.
إن السياسة الصحيحة للحكومة الأميركية وللأميركيين الذين يهتمون بمصير إسرائيل ليست الإصرار على أن تقبل إسرائيل الآن بحل الدولتين في غياب شريك فلسطيني قابل للحياة، بل أن يُنتظر من إسرائيل أن تحافظ على هذا الخيار، وألا تتخذ خطوات تجعل ظهور شريك فلسطيني أقل احتمالاً، أو تجعل تحقيق نتيجة سلمية مستحيلاً إذا ما ظهر مثل هذا الشريك.
إضافة إلى ذلك، سيكون من الحكمة أن تجعل إسرائيل نفسها أقل اعتماداً على المساعدات العسكرية الأميركية. وتُعد أوكرانيا نموذجاً ما في هذا المجال. لكن الأهم من ذلك هو أن تطرح إسرائيل على نفسها بعض الأسئلة الصعبة بشأن سياستها ومسارها. فإسرائيل تعرّض نفسها للخطر إذا لم تكن يهودية وديمقراطية في آن واحد. ولا يمكن أن تشكل الحرب الدائمة مع الفلسطينيين وجيرانها استراتيجيتها الطويلة الأمد. لذا، من المأمول أن تكون هذه الأسئلة وما يشبهها حاضرة في المرحلة التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية في الخريف المقبل.
ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
