لسنا مختلفين مع الدكتور جاد طعمه في أن القانون يقبل الاجتهاد، ولا في أن مجلس النواب يملك صلاحية تعديل القوانين؛ فهذا أمر لا خلاف عليه. لكن ما نختلف عليه هو تحويل النقاش من السؤال الأساسي: هل يخدم هذا التعديل المصلحة العامة أم يخدم ظرفًا قائمًا؟ إلى نقاش طويل حول أسلوب الكتابة، والمصطلحات اللاتينية، والأسماء المستعارة، وهوية من يكتب.
القضية ليست حق مجلس النواب في التشريع، بل مشروعية تعديل قانون وُضع عام 2009 بعد ورشة إصلاحية شارك فيها كبار أساتذة الجامعة اللبنانية، أمثال الدكتور عصام خليفة، والدكتور حميد حكم، والمرحوم الدكتور شربل كفوري، إلى جانب عدد من العمداء والأكاديميين، بهدف منع احتكار الموقع، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، وإرساء مبدأ تداول السلطة. فهل تقتضي المصلحة العامة أن نعود إلى قانون مضى على صدوره ستون عامًا؟ ولو لم يكن هناك رئيس حالي تنتهي ولايته بعد أشهر، هل كان أحد سيطرح هذا التعديل اليوم؟ ولماذا لم يتضمن اقتراح تعديل القانون إنشاء منصب نواب لرئيس الجامعة، أو مجلس أمناء يضم شخصيات أكاديمية مرموقة وخريجين، على غرار ما هو معمول به في الجامعات الأوروبية التي يحاول الدكتور طعمه الاستشهاد بها والقياس عليها؟
القول إن القانون يبقى عامًا ومجردًا لأنه سيُطبق مستقبلًا على الجميع، لا يجيب عن السؤال الحقيقي. فالقوانين لا تُقاس فقط بصياغتها، بل أيضًا بسبب صدورها، وتوقيتها، والغاية منها. والتشريع الذي يولد لمعالجة وضع شخص قائم يبقى تشريعًا يثير الشبهة، ولو صيغ بأكثر العبارات عمومية.
أما القول إن رئيس الجامعة لا يملك سلطة على من يختاره، فلا يلغي حقيقة أن شاغل المنصب يتمتع بنفوذ إداري وأكاديمي ومعنوي لا يملكه سواه، وهو ما يفرض على المشترع أن يكون أكثر حرصًا على تكافؤ الفرص، لا أقل.
ومن المستغرب أن يعتبر الدكتور طعمه أن النقاش حول الأسباب الموجبة ليس أساسيًا، في حين أن الأسباب الموجبة هي التي تكشف فلسفة التشريع وضرورته. وإذا كانت هذه الأسباب ضعيفة أو غير مقنعة، فمن حق الرأي العام أن يناقشها، لأن التشريع لا يُقاس فقط بما كُتب في المادة القانونية، بل أيضًا بالحاجة الفعلية التي استوجبت تعديلها.
والأغرب من ذلك كله، التركيز على انتقاد البيانات أو المقالات التي تصدر باسم مجموعة من الأساتذة أو تحت عناوين جماعية، وكأن المشكلة تكمن في الاسم لا في الفكرة.
إن اختيار عدد من الأساتذة عدم نشر أسمائهم الفردية ليس دليلًا على ضعف الحجة، بل هو انعكاس لمناخ يعرفه جميع العاملين في الجامعة اللبنانية. فالجامعة، التي يُفترض أن تكون منبرًا لحرية الرأي، أصبحت بالنسبة إلى كثيرين مكانًا يخشى فيه الأستاذ أن يدفع ثمن رأيه وموقفه الأكاديمي والإداري.
وقد شاهد الجميع كيف نشر زملاء آراءهم بأسمائهم الصريحة في عدد من الصحف، فإذا بالرد يأتي عبر “أسرار الصحف” بتلميحات تمس أداءهم الأكاديمي، بدلًا من الرد على أفكارهم. فهل هذا هو المناخ الذي يشجع الأستاذ على إعلان رأيه باسمه؟
ثم نسأل الدكتور جاد طعمه: لماذا لم نسمع منك موقفًا قانونيًا عندما تعرض أساتذة الجامعة للتشهير أو الإساءة أو الاستنسابية في التعاطي؟ ولماذا لم تخصص مقالًا للرد على الآراء القانونية التي قدمها محامون معروفون بأسمائهم، أو على موقف رابطة الأساتذة المتفرغين، وهي هيئة شرعية منتخبة معروفة التمثيل، واكتفيت بمهاجمة من يكتب باسم مجموعة؟
ولو أردنا فعلًا نقاشًا قانونيًا، فهناك ملفات أولى بالبحث: ماذا عن التعاقد الذي يتم من دون إعلان الشواغر وفق الأصول؟ وماذا عن اللجان العلمية؟ وماذا عن تضخيم ملف التفرغ بمتعاقدين جدد في اختصاصات غير نادرة؟ وماذا عن تنفيذ قرارات مجلس شورى الدولة؟ وماذا عن الطعون التي تقدم بها أساتذة منذ سنوات، والتي لا تزال تنتظر جوابًا واضحًا، قبولًا أو رفضًا؟ وماذا عن عدم تطبيق أحكام القانون رقم 66/2009 في تعيينات المديرين ورؤساء الأقسام؟ أليست هذه أيضًا قضايا قانونية تمس سيادة القانون داخل الجامعة؟
إن الدفاع عن القانون لا يكون انتقائيًا، ولا يقتصر على ملف واحد. فمن يطالب باحترام دولة القانون في تعديل مادة، يُفترض أن يكون الصوت نفسه في كل الملفات التي تمس احترام القانون داخل المؤسسة.
نكتب اليوم باسم مجموعة من أساتذة الجامعة اللبنانية، لأن القضية قضية مؤسسة لا قضية أفراد، ولأننا نؤمن بأن قوة الحجة لا تُستمد من اسم صاحبها، بل من صدقها ومنطقها. وعندما يصبح النقاش منصبًا على هوية الكاتب بدلًا من مضمون ما كتب، نكون قد ابتعدنا عن القانون، واقتربنا من الشخصنة التي يدّعي البعض رفضها.
ويبقى السؤال الذي لم يجب عنه أحد: إذا لم يكن هذا التعديل مرتبطًا بظرف قائم، فلماذا طُرح قبل أشهر قليلة من انتهاء ولاية الرئيس الحالي؟ ولماذا لم يُترك ليُطبق على الولاية التي تليها؟ هنا يكمن جوهر القضية، وكل ما عداه يبقى محاولة للهروب من الإجابة.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
