وُلدت ثورة السابع عشر من تشرين الأول 2019 من رحم المعاناة المعيشية للبنانيين، وقد بدأت ملامحها بالظهور منذ عام 2016. كسرت الثورة حاجز الاصطفافات المذهبية والسياسية والطائفية، فنزل اللبنانيون إلى الشارع مطالبين ببديهيات العيش الكريم: الغذاء والدواء والتعليم وفرص العمل. تمردوا على “العنف الرمزي” الذي مارسه أهل السلطة على الشعب اللبناني منذ توقيع اتفاق الطائف، من خلال احتكارهم القدرة على تأويل الوقائع والأحداث بما يخدم مصالحهم، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، حفاظًا على مكتسباتهم الشخصية، مطبّقين المثل الشعبي القائل: «كيفما أراد الفاخوري بيركب أذن الجرّة».
لكن اندلاع هذه الثورة ترافق مع انهيار اقتصادي واجتماعي مهيب، لا يزال اللبنانيون يتخبّطون في تداعياته رغم مرور ست سنوات.
صحيح أن ثورة 17 تشرين كسرت إلى الأبد صورة “الزعيم المُخلّص”، ورسّخت لدى اللبنانيين قناعة بأن زعماء طوائفهم عاجزون عن إدارة الخدمات العامة والخاصة، وعن بناء اقتصاد منتج وعادل يؤمّن فرص العمل والنمو الفعلي للثروة الوطنية. كما أيقنوا بتورّط رموز السلطة على المستويات كافة — التشريعية والتنفيذية والقضائية — في الفساد ونهب الأموال والأملاك العامة، والتربّح عبر النفوذ السياسي.
غير أن الحقيقة المُرّة بعد مرور ست سنوات على الثورة والانهيار هي أن مسار الانزلاق لم يُوقف بعد، ولم تتم محاسبة المرتكبين. ما يحصل اليوم هو مفاوضات ماراتونية مع صندوق النقد الدولي لتوقيع اتفاق، من دون أن تكون لدى أهل السلطة أي نية حقيقية لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
لذلك، من المفيد بعد كل هذه السنوات، الإضاءة على أوجه الدمار المالي والاقتصادي والاجتماعي الذي خلّفه الانهيار على اللبنانيين، في حين تمارس المنظومة السياسية – المصرفية التسويف والمماطلة في إيجاد الحلول، وتتلذذ بمشاهدة معاناة شعبٍ فقد أمانه الاجتماعي ومدّخراته بسبب هذه المنظومة.
نعمة: الفقر تعمّم بعد خسارة الليرة 98% من قيمتها
يلفت الخبير والمستشار في التنمية والسياسات الاجتماعية ومحاربة الفقر أديب نعمة، في حديث إلى موقع “بيروت 2030″، إلى أنه لم تُجرَ دراسة علمية – سوسيولوجية معمّقة للتحوّلات التي شهدها المجتمع اللبناني منذ 17 تشرين 2019 حتى اليوم، تُبيّن الأثر الاجتماعي الفعلي على البنية الطبقية والتفاوتات والديناميات التي نشأت في المجتمع.
ويضيف أن “ما جرى هو تحقيقات صحافية في مناطق مختلفة عبّرت عن نبض المجتمع المحلي، لكنها كانت جزئية وموضعية، وتناولت مستويات المعيشة والآثار الاجتماعية والاقتصادية فحسب”.
ويتابع نعمة: “يمكن القول إن ثورة 17 تشرين ترافقت مع ثلاث محطات كبرى: الانهيار المالي، الحراك الشعبي غير المسبوق، وجائحة كورونا التي عمّقت مسار الأزمة. ويمكن الجزم بحصول تدهور شامل في المستوى المعيشي للبنانيين، بحيث لم تعد هناك فئة محددة من الفقراء، بل حصل تعميم للفقر والحرمان نتيجة عامل أساسي هو خسارة العملة الوطنية نحو 98% من قدرتها الشرائية”.
ويؤكد أن ذلك وضع أكثر من 75% من اللبنانيين في حالة حرمان، وترافق مع فشل الدولة الكامل وتدهور الخدمات العامة والتغطية الصحية، وتوسّع البطالة، والانتقال من العمل النظامي إلى العمل غير النظامي، الذي تشير إدارة الإحصاء المركزي إلى أنه بلغ 65% على المستوى الوطني، وقد يصل في مناطق الأطراف إلى 80%، ما يعكس تحوّلًا في الهياكل الاجتماعية وتعمّقًا في التفاوتات.
ويرى نعمة أن التفاوت الثاني تمثّل في الانهيار الكبير الذي أصاب موظفي القطاع العام والفئات العمالية التي تتقاضى رواتبها بالليرة اللبنانية، بما في ذلك القطاعات العسكرية والأمنية التي كانت تتمتّع سابقًا بتأمينات اجتماعية. “هذا الانهيار لا يقتصر على القيمة المالية بل يشمل أيضًا الأمان الاجتماعي. فقد شهدت مناطق مثل عكار وبعلبك، حيث يشكّل موظفو الدولة والعسكريون عماد الاقتصاد المحلي، انهيارًا شبه تام في مستوى المعيشة نتيجة فقدان الدخل الثابت”.
ويضيف أن فئات أخرى تدهور وضعها بشدة، كالمتعاقدين مع وزارة التربية والمتقاعدين الذين يعتمدون على معاشاتهم التقاعدية أو على فوائد تعويضاتهم المحتجزة في المصارف، وهؤلاء غالبًا في أعمار لا تسمح لهم بالعمل، ما يفاقم الأثر الاجتماعي الكارثي للأزمة.
ويلفت نعمة إلى أن “السنوات الأخيرة شهدت أيضًا الحرب الإسرائيلية على لبنان، ولا سيما حرب أيلول 2024 التي دمّرت بشكل شبه كامل النسيج الاجتماعي لعشرات القرى والبلدات في الشريط الحدودي الجنوبي. هذه العوامل العسكرية ساهمت في مضاعفة الأثر السلبي للانهيار، رغم أن انعكاساتها لم تُدرس علميًا بما يكفي، لكنها جلية في الواقع الاجتماعي”.
التعافي ليس سهلًا!
يرى نعمة أن “التعافي ليس سهلًا، لكنه ممكن”، موضحًا أن صعوبته الأساسية تكمن في أن الأزمات المشابهة للأزمة اللبنانية، كانت تشهد دائمًا تدخّل جهة مسؤولة — عادةً الدولة — بعد فترة قصيرة، لاتخاذ الإجراءات التقنية اللازمة لمنع تفاقم الأزمة، كما حصل في قبرص واليونان وآيسلندا. أما في لبنان، يقول نعمة، “فقد تحوّلت الأزمة إلى كارثة مضاعفة، ليس فقط بسبب مفاعيلها الاقتصادية والاجتماعية، بل أيضًا بسبب امتناع السلطة عن محاصرتها ومعالجتها”.
ويشدّد على أن السلطة لم تكتفِ بالتفرّج على نار الأزمة التي تكوي اللبنانيين، بل اتخذت أيضًا إجراءات زادت من حدّتها وتأثيرها السلبي، وساهمت في تراكم الخسائر وتركّز الثروة في يد فئة محدودة. ومن بين هذه الإجراءات: سياسة الدعم غير الرشيدة، منصة صيرفة، تهريب الأموال، التلاعب بأسعار الدولار، الامتناع عن وضع “كابيتال كونترول”، والتهريب المنظم، مشيرًا إلى أن “كل ذلك ما زال مستمرًا حتى اليوم”.
ويرى نعمة أن هذا الواقع يعني أن طبيعة الأزمة التي نعيشها، وطبيعة السلطة الحاكمة، أشبه بـ”تنين ثلاثي الرؤوس”:
- السلاح والميليشيات
- سلطة المال وعلى رأسها جمعية المصارف
- الفاسدون المتحكمون بالدولة والمعطّلون لدورها لصالح ثنائي السلاح والمصارف.
ويضيف أن “وظيفة الدولة باتت، فعليًا، تعطيل تدخّلها الإيجابي وترك المجال لهذا الثنائي ليتصرّف في السياسة والحرب، كما في قمع ثورة 17 تشرين والهبة الشعبية”.
ضرب دينامية 17 تشرين
يوضح نعمة أن المجتمع اللبناني تلقّى سلسلة من الصدمات: الانهيار المالي، وجائحة كورونا، وتعطيل الدولة، ثم الحرب. ومع تفاقم الأزمة، برزت محطات احتجاجية سابقة مثل تحرك “طلعت ريحتكن”، لكن تحرك 17 تشرين 2019 شكّل نسخة متقدمة جدًا من تلك التحركات، خصوصًا بعد انفجار الرابع من آب الذي عمّق وعي المجتمع وأنتج دينامية جديدة سليمة وصحية.
ويشير إلى أن هذه الدينامية كانت دينامية مواطنية تطالب بعدالة اجتماعية، متجاوزة للطائفية ولسلطة الزعماء والسلاح والمال. غير أن انقلابًا تدريجيًا حصل عليها، وخصوصًا بعد الحرب الأخيرة، ما أدى إلى ضربها بالكامل.
“لقد عدنا اليوم إلى دينامية تُهمّش كل شيء، وتختزل النقاش العام في قضية واحدة — رغم أهميتها — هي موضوع السلاح والموقف من إسرائيل. وبهذا، شُنّ هجوم مضاد جديد على كل مسار الإصلاح المالي والاجتماعي والاقتصادي، في محاولة واضحة لتعطيله مجددًا، وسط صراع محتدم على هذا المستوى. الدينامية الاجتماعية التي انطلقت بعد 17 تشرين، والتي تجاوزت الطائفية، حوصرت ثم ضُربت ثم أُضعفت، وحلّت مكانها ديناميات تفتيتية للمجتمع اللبناني، وديناميات مُعطِّلة للدولة، كي لا تتمكن من أداء دورها في تجاوز الأزمة ببعدها الشامل، لا ببعدها الضيّق المرتبط فقط بالعدوان الإسرائيلي”.
عجاقة: الأخطر في هذه الأزمة هو اختفاء الطبقة الوسطى!
يُحدّد الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة مظاهر الانهيار الذي أصاب الشعب اللبناني من عدة زوايا مالية واقتصادية واجتماعية، فيقول لموقع “بيروت 2030”: “الشق المالي ينقسم إلى قسمين: مالية الدولة والنظام المصرفي، أي مصرف لبنان والمصارف. وللأسف، أبرزت الأزمة استخفافًا في إدارة المال العام، واستيلاءً على المال الخاص للمودعين بتواطؤ مع السلطة السياسية، حيث تم وضع اليد على الودائع”.
ويشير إلى أنّه، وقبل الأزمة، “كانت لدينا ودائع هائلة، وبعدها أصبحنا غارقين في فجوة مالية ضخمة ناتجة عن عقود من الإدارة السيئة، رافقها انهيار القطاع المصرفي والعبث العنيف باحتياطات مصرف لبنان تحت عنوان سياسات الدعم. لذلك يمكن القول إن الكارثة الكبرى على الصعيد المالي تمثّلت في توقّف الدولة عن دفع استحقاقاتها من الدين العام، الذي تكوّن بمعظمه من أموال المودعين”.
ويُضيف عجاقة: “في الشق الاقتصادي، تم هدم الاقتصاد الوطني نتيجة تراجع الماكينة الاقتصادية بشكل حاد عام 2020، بفعل الأزمة المالية وانفجار مرفأ بيروت. الاقتصاد اليوم هشّ إلى درجة أننا نفتقر إلى الأمان الاقتصادي، إذ إنّ نحو 80% من المواد التي نستهلكها مستوردة، ما يعني أننا نعتمد اعتمادًا كبيرًا على الدولار الأميركي في دورة الاقتصاد اللبناني”.
ويجزم بأنّ هذه الأزمة قضت على الاقتصاد الرسمي بسبب انهيار القطاع المصرفي، وباتت معظم التعاملات تتم نقدًا، ما أدى إلى إدراج لبنان على اللائحة الرمادية (FATF) المتعلقة بجرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. كما تراجع حجم الناتج المحلي إلى النصف خلال ست سنوات، وغابت الاستثمارات بشكل شبه كامل، ولا إمكانية لاستعادتها إلا بعد إعادة هيكلة الاقتصاد والمالية العامة والقطاع العام، إذ لا يمكن الاتكال على الاقتصاد غير الرسمي، أو ما يُسمّى الاقتصاد الأسود”.
ويلفت عجاقة إلى أنّه، من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، ضربت هذه الأزمة سوق العمل بشدّة، وخسر الناس جزءًا كبيرًا من مداخيلهم، إلى درجة أن معظم الوظائف باتت هشّة، أي من دون أمان وظيفي، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية والاستهلاك، وترافق ذلك مع انكماش حاد في الاقتصاد. “صحيح أنّ الموظفين في القطاع العام حصلوا على بعض الدعم والمساعدات الاجتماعية، إلا أنّ ذلك خلق هشاشة إضافية في سوق العمل، ودفع كثيرين إلى العمل في أكثر من وظيفة لتأمين الحدّ الأدنى من الدخل”.
ويرى عجاقة أنّ الأخطر في هذه الأزمة هو اختفاء الطبقة الوسطى، لأنها العمود الفقري للمالية العامة، ومن خلالها تُستوفى الضرائب كونها الأكثر عددًا واستهلاكًا، وأن ضرب قدرات هذه الطبقة يُضعف الاقتصاد برمّته. ويشدّد على أنّ ما نحتاج إليه اليوم هو الاستقرار السياسي والأمني، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة والمالية العامة، لاستعادة الثقة الدولية والخروج من اللائحة الرمادية.
ويختم بالتحذير: “إذا لم نُقدم على الخطوات المطلوبة، سنبقى في دوّامة الأزمة وتداعياتها الكارثية على المدى الطويل، خصوصًا مع هجرة العقول والكفاءات اللبنانية، ما يؤدي إلى نشوء ما أسمّيه ظاهرة الإجاصة، أي الفقدان الكبير لليد العاملة اللبنانية الكفوءة”.

أمل خليل
صحافية اقتصادية لبنانية بارزة تغطي قضايا المال والاقتصاد والنقد والسياسة المالية. تتميز مقالاتها بالتحليل العميق والموضوعية، وتسلط الضوء على التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمات المتتالية.
