حين يصبح الألم مادة استهلاكية: قراءة نفسية في حدود المقابلة الإعلامية

لم يعد غريبًا أن نشاهد ضيفًا في برنامج تلفزيوني يتوقف عن الكلام، تغرورق عيناه بالدموع، يحاول أن يستعيد أنفاسه، وربما يقول بوضوح إن الحديث صعب عليه. تنتظر الكاميرا. يطمئنه المحاور: «خذ وقتك»، «نحن معك»، «لا مشكلة، عبّر عن مشاعرك»… ثم يعود السؤال، أو يأتي سؤال أكثر عمقًا: ماذا شعرت في تلك اللحظة؟ ماذا قلت له قبل أن يموت؟ هل سامحت؟ ماذا ترك الطلاق داخلك؟ كيف غيّرك الفقد؟

قد يبدو المشهد للوهلة الأولى شديد الإنسانية. فالإعلامي لم يقاطع الضيف، ولم يطلب منه أن يتوقف عن البكاء، بل أعطاه مساحة للتعبير. لكن من موقع نفسي، يستحق المشهد سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل كل مساحة تُعطى للألم هي مساحة احتواء؟ ومتى تتحول الرغبة في الوصول إلى الإنسان خلف الشخصية العامة إلى اقتحام لحدوده النفسية؟

هذه الأسئلة لا تهدف إلى الدعوة للعودة إلى نموذج المقابلات القديمة التي تكتفي بأسئلة خفيفة حول العمل والحياة اليومية. فالعمق في الإعلام مهم، والحديث عن الفقد والطلاق والحرب والمرض والصدمات قد يساهم في كسر الوصمة وخلق مساحة للتعاطف والتعرّف إلى تجارب إنسانية كانت سابقًا مسكوتًا عنها.

لكن البديل عن السطحية لا ينبغي أن يكون التعرية النفسية.

من المقابلة إلى الحميمية العلنية

شهدت المقابلات التلفزيونية والترفيهية خلال السنوات الماضية تحوّلًا ملحوظًا نحو المساحة الشخصية: الطفولة، العلاقة بالوالدين، الخيانة، الطلاق، المرض، الموت، التجارب الصادمة، العلاقات العاطفية والصراعات العائلية.

ولا يمكن فهم هذا التحول من خلال الإعلام وحده. نحن نعيش أيضًا في ثقافة رقمية أصبحت فيها الحدود بين الخاص والعام شبه معدومة ومشاركة أكثر اللحظات حميمية أصبحت جزءًا من ثقافة المنصات ومن بناء العلاقة بين الشخصيات العامة وجمهورها.

لكن السؤال النفسي هنا ليس فقط: لماذا يتحدث الضيف؟ بل أيضًا: لماذا نريد نحن أن نعرف؟

هناك فرق بين الفضول الإنساني الذي يسمح لنا بفهم الآخر والتعاطف معه، وبين شكل من أشكال التلصص النفسي أو الـvoyeuristic curiosity، حيث تصبح معرفة ما كان يفترض أن يبقى خلف الأبواب المغلقة مصدرًا للمتعة والانفعال. وهنا يصبح الألم نفسه مادة إعلامية.

فاللحظة التي ينهار فيها الضيف قد تصبح لاحقًا عنوان الحلقة، ومقطعًا قصيرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وعبارة مثيرة على صورة الإعلان: «للمرة الأولى يكشف…»، «ينهار بالبكاء…»، «يتحدث عن السر الذي أخفاه لسنوات…». وهكذا لا نعود أمام إنسان يتألم فقط، بل أمام ألم دخل أيضًا في اقتصاد الانتباه.

هل الموافقة على المقابلة تعني الموافقة على كل شيء؟ قد يقال ببساطة إن الضيف شخص بالغ، وقد وافق على الظهور في البرنامج، وكان بإمكانه رفض الإجابة. لكن الموافقة النفسية أكثر تعقيدًا من ذلك.

الموافقة على إجراء مقابلة لا تعني بالضرورة الموافقة غير المحدودة على كل مستويات الكشف. كما أن القدرة النظرية على قول «لا» لا تعني دائمًا أن قولها سهل في لحظة يكون فيها الشخص أمام مذيع، وكاميرات، وجمهور، وربما بث مباشر، وتوقع اجتماعي بأن يكمل الحديث.

ولهذا فإن السؤال الأخلاقي لا ينبغي أن يكون فقط: «هل أجاب؟» بل أيضًا: «في أي سياق أجاب؟ وكم كانت لديه مساحة حقيقية للتراجع والتوقف ووضع الحدود؟» وتزداد أهمية هذا السؤال عندما لا نتحدث عن ذكرى عادية، بل عن خبرة صادمة.

الصدمة ليست قصة تنتظر أن تُروى

من أكثر الأفكار انتشارًا اليوم الاعتقاد بأن الكلام عن الألم مفيد بالضرورة، وأن إخراج التجربة من الداخل وتحويلها إلى كلمات يعني تلقائيًا أن الشخص بدأ يتعافى منها. لكن المعرفة النفسية والسريرية حول الصدمة أكثر تعقيدًا.

فالحديث عن التجربة المؤلمة قد يكون مهمًا ومفيدًا، لكن ليس كل حديث عن الصدمة علاجًا، وليس كل صمت مرضًا، وليس كل بكاء دليلًا على حدوث معالجة نفسية.

 كمعالجة نفسية، أكثر ما يقلقني في بعض المقابلات ليس الحديث عن الألم بحد ذاته، بل الاعتقاد بأن دفع الإنسان إلى الحديث أكثر يعني بالضرورة أننا نساعده أكثر. حتى داخل العيادة، حيث الأمان والسرية والعلاقة العلاجية، لا نقتحم الصدمة لمجرد أنها موجودة. ولا يكون هدفنا استخراج أكبر قدر ممكن من التفاصيل، ولا الوصول بالمريض إلى أقصى درجة من الانفعال، ولا قياس نجاح الجلسة بكمية الدموع.

هناك توقيت. هناك استعداد. هناك حدود. وهناك قبل كل شيء إنسان يجب أن يبقى قادرًا على الاختيار.

فالصدمة ليست مجرد قصة مؤلمة تنتظر من يرويها. إنها خبرة قد تترك آثارها في الشعور بالأمان، وفي الجسد، والانفعال، والذاكرة، والعلاقات، والثقة بالآخر وبالعالم. ولذلك فإن استحضارها لا يمكن اختزاله بفكرة: «احكِ كي ترتاح».

أحيانًا يحتاج الإنسان إلى الكلام، وأحيانًا يحتاج إلى الصمت. أحيانًا يريد أن يروي جزءًا من التجربة ولا يريد أن يروي جزءًا آخر. وأحيانًا يبدأ بالكلام ثم يكتشف في منتصف الطريق أنه لا يريد أن يكمل. وهذا أيضًا حقه.

وليست كل الصدمات بحاجة إلى أن تتحول إلى رواية عامة. وليس كل ما يستطيع الإنسان قوله في غرفة العلاج يصبح صالحًا لأن يقال أمام جمهور. هناك فرق جوهري بين أن أختار أنا متى وكيف ولمن أروي ألمي، وبين أن أشعر أن عليّ أن أكشفه لأن الكاميرا أمامي، ولأن الصمت أصبح محرجًا، ولأن السؤال طُرح، ولأن الملايين ينتظرون الإجابة.

ومن هنا يصبح حق الإنسان في الكلام عن صدمته مهمًا، لكن حقه في ألّا يحكي لا يقل أهمية. وقد يكون قوله: «هذا الجزء مني ليس للمشاهدة» تعبيرًا عن حدود نفسية سليمة ينبغي احترامها، لا حاجزًا علينا أن نحاول كسره.

ليس كل تذكّر معالجة

قد يتحدث الإنسان عن الحادثة مرارًا. قد يبكي في كل مرة. قد يعيد سرد التفاصيل نفسها. وقد يبدو لمن يشاهده أن شيئًا نفسيًا عميقًا يحدث. لكن شدة الانفعال ليست مقياسًا كافيًا لحدوث المعالجة النفسية.

لذلك فإن التحذير من الاستهلاك الإعلامي للصدمة لا يعني أن الحديث عن الصدمة مؤذٍ بالضرورة، كما لا يعني أن استعادة التفاصيل خطرة دائمًا. المسألة أكثر دقة من ذلك.

المشكلة هي السياق والهدف والطريقة والاختيار. هناك فرق بين أن أختار الحديث عن تجربة مؤلمة لأنني أريد مشاركتها، أو لأنها تحمل رسالة أؤمن بها، وبين أن أجد نفسي مدفوعًا تدريجيًا إلى أكثر نقاطها حميمية لأن شخصًا أمامي يسأل، وكاميرا تنتظر، وجمهورًا يريد أن يعرف.

وهنا، ربما، يجب أن نتوقف عن التعامل مع الانهيار العاطفي باعتباره دليلًا على نجاح المقابلة.

«خذ وقتك» ليست دائمًا احتواءً

عندما يبدأ الضيف بالبكاء، قد يقول له المحاور بنبرة هادئة: «خذ وقتك… نحن معك». هذه العبارة قد تكون تعبيرًا صادقًا عن التعاطف. ولا يمكن أن نفترض سوء النية في كل مقابلة.

لكن الاحتواء النفسي لا يُقاس بالكلمات وحدها. فالاحتواء ليس مجرد القدرة على البقاء أمام إنسان يبكي. الاحتواء يعني أن يستطيع ألم الشخص أن يوجد من دون أن يصبح مطالبًا بإنتاج المزيد من الألم لنا. وهنا أقترح التمييز بين الاحتواء والاستخراج – Containment vs. Extraction.

الاحتواء يقول: «يمكنك أن تتوقف. لا تحتاج إلى إعطائي المزيد كي أبقى معك.» أما الاستخراج فقد يستخدم اللغة نفسها تقريبًا: «خذ وقتك… نحن معك… وعندما تستطيع، أكمل.» والفرق بينهما قد لا يظهر في نبرة الصوت، بل في ما يحدث بعد البكاء.

هل يتغير السؤال؟ هل يُعرض على الشخص الانتقال إلى موضوع آخر؟ هل يمكن إيقاف التصوير؟ هل يُحترم رفضه؟ أم تبقى الكاميرا قريبة ويستمر الانتظار حتى تأتي بقية القصة؟ فالاحتواء الحقيقي يعني أيضًا أن أتحمل ألا أعرف بقية القصة.

هل كل ألم يجب أن يصبح درسا؟

هناك أيضًا خطاب آخر يتكرر في المقابلات وفي الثقافة العامة حول الصدمة: ماذا تعلمت من فقدك؟ كيف جعلك الطلاق أقوى؟ ما الرسالة التي خرجت بها من المرض؟ لو عاد بك الزمن، هل تقول إن التجربة غيرتك للأفضل؟

ورغم أن البشر يستطيعون بالفعل بناء معنى بعد المعاناة، فإن النمو بعد الصدمة ليس نتيجة إلزامية، ولا ينبغي تحويله إلى واجب. بعض الناس يجدون معنى. بعضهم يتغير. بعضهم يستطيع بعد سنوات أن يرى جوانب من النمو في نفسه.

لكن هناك أيضًا خسارة. وهناك أشياء لا تحتاج إلى أن تصبح «هدية» لكي نستطيع قبولها نفسيًا.

إن مطالبة الإنسان بأن يقدم لنا الحكمة الناتجة عن ألمه قد تكون شكلًا أكثر أناقة من أشكال استهلاك ذلك الألم: لم نعد نطلب منه القصة فقط، بل نطلب منه أيضًا أن يقدم لنا العبرة.

الاستوديو ليس عيادة

هناك فرق بنيوي ينبغي ألا ننساه. في العلاج النفسي، توجد علاقة علاجية، وسرية، وإطار مهني، واستمرارية، وإمكانية للعودة إلى المادة في الجلسة التالية. أما المقابلة الإعلامية فلها وظيفة مختلفة تمامًا، وهذا ليس انتقاصًا منها. الإعلام له حق السؤال، والتحقيق، ونقل الشهادات والتجارب الإنسانية.

لكن المشكلة تبدأ عندما نستعير لغة العلاج وننسى أننا لسنا داخل علاقة علاجية. البكاء أمام شخص متعاطف لا يحوّل ذلك الشخص إلى معالج. والاستوديو الذي يسمح بالتعبير عن المشاعر لا يتحول بذلك إلى بيئة حاضنة علاجية.

ثم هناك سؤال قلّما نطرحه: ماذا يحدث بعد أن تنطفئ الكاميرا؟ ماذا يحدث للشخص الذي استحضر أمام جمهور واسع تجربة ظل يتجنبها سنوات؟ من يحتوي ما فُتح؟ وماذا يحدث عندما يستيقظ في اليوم التالي ليجد أن أكثر لحظاته هشاشة تحولت إلى مقاطع قصيرة وعناوين وتعليقات وإعادات نشر؟

من النقد إلى المسؤولية: نحو إعلام واعٍ بالصدمة

كمعالجة نفسية، أعتقد أن مسؤوليتنا لا تنتهي عند انتقاد هذه الممارسات. هناك أيضًا مسؤولية تقع على المؤسسات النفسية والإعلامية في بناء مساحة مشتركة بين الاختصاصين. فالصحافي ليس معالجًا نفسيًا، ولا ينبغي أن نطلب منه أن يكون كذلك. لكنه، بحكم مهنته، قد يجد نفسه أمام إنسان في واحدة من أكثر لحظات حياته هشاشة: طفل بعد حرب، أم فقدت ابنًا، عائلة تقف أمام منزلها المهدّم، ناجٍ من اعتداء أو كارثة، أو ضيف يستعيد أمام الكاميرا فقدًا أو طلاقًا أو تجربة مؤلمة عاشها منذ سنوات.

وهنا لا تكفي مهارة طرح السؤال. هناك معرفة نفسية أساسية يحتاج إليها من يعمل في الإعلام: ما الصدمة النفسية؟ كيف يمكن أن تظهر على الإنسان؟ ما علامات الانفصال أو التجمّد أو الاستثارة الشديدة؟ متى يصبح السؤال اقتحاميًا؟ متى نتابع، ومتى نتوقف؟ كيف نسأل عن تجربة مؤلمة من دون أن نطالب بتفاصيل لا ضرورة لها؟ وكيف نحترم حق الشخص في الصمت أو في تغيير رأيه حتى بعد أن بدأ الحديث؟

والأمر يصبح أكثر حساسية عندما يكون من أمام الكاميرا طفلًا. فالطفل الذي عاش حربًا أو فقدًا أو نزوحًا ليس مصدرًا للحصول على «قصة مؤثرة». ولا ينبغي أن تكون قيمة المقابلة مرتبطة بقدرتنا على جعله يستعيد أكثر اللحظات إيلامًا أمام العدسة.

نحتاج، في رأيي، إلى الانتقال من مفهوم المقابلة الجيدة إلى مفهوم المقابلة الواعية بالصدمة – Trauma-Informed Interviewing: مقابلة تحافظ على حق الإعلام في نقل الحقيقة، من دون أن تجعل الوصول إلى الحقيقة مرادفًا لاختراق الحدود النفسية للإنسان.

ولهذا أرى أن مبادئ علم النفس والصدمة النفسية وأخلاقيات التعامل مع الأشخاص في حالات الهشاشة ينبغي أن يكون لها حضور واضح في تكوين طلاب الإعلام وفي التدريب المستمر للإعلاميين العاملين في الاستوديو كما في الميدان.

ومن هنا، أدعو إلى فتح حوار علمي ومهني يجمع الاختصاصيين النفسيين والإعلاميين والأكاديميين لا بهدف تعليم الصحافي كيف يصبح معالجًا، بل بهدف بناء حد أدنى من الثقافة النفسية التي تساعده على أن يعرف كيف يسأل، متى يسأل، ومتى يكون عدم السؤال أكثر مهنية وإنسانية من السؤال.

وقد يكون من المفيد أن ينتج عن مثل هذا التعاون دليل مهني واضح للإعلام الواعي بالصدمة، وتدريبات تطبيقية للصحافيين وطلاب الإعلام حول مقابلة الأطفال، والناجين من الحروب والكوارث والعنف والفقد، وكيفية التعامل مع الانهيار الانفعالي أثناء التصوير، وحدود الموافقة والخصوصية، وما ينبغي التفكير فيه قبل نشر المادة وبعدها.

لأن حماية الإنسان لا تتعارض مع حرية الإعلام، والعمق لا يتطلب انتهاك الخصوصية، والمقابلة المؤثرة لا ينبغي أن تُقاس بكمية الدموع التي نجحت الكاميرا في التقاطها.

من يملك القصة؟

ربما لا تكمن المشكلة في أن الإعلام أصبح أكثر إنسانية وشخصية. فهذا التحول أتاح أحيانًا أحاديث مهمة كان المجتمع يخشى الاقتراب منها. ولا أعتقد أن الحل هو العودة إلى مقابلات تخشى العمق.

المطلوب هو شيء ثالث: إعلام عميق من دون أن يكون مقتحمًا. إعلام يستطيع الحديث عن الفقد من دون أن يستهلك الحداد، وعن الصدمة من دون أن يبحث عن الانهيار، وعن الحرب من دون أن يحول الناجين إلى مشاهد، وعن الإنسان من دون أن يعتبر أن كل ما في داخله متاح للجمهور.

ولذلك، قبل أن نسأل شخصًا عن أكثر لحظات حياته إيلامًا، ربما علينا أن نسأل أنفسنا أولًا: لماذا نحتاج إلى معرفة هذه المعلومة؟ هل تخدم فهم القضية؟ هل يحتاج الجمهور إليها؟ هل اختار الشخص فعلًا مشاركتها؟ وهل نستطيع احترامه إذا قرر، في منتصف الحديث، أنه لم يعد يريد أن يكمل؟

لأن الصدمة ليست ملكًا للمذيع. وليست ملكًا للكاميرا. وليست ملكًا للجمهور. القصة، قبل أن تصبح محتوى، تبقى ملكًا لصاحبها.

مقالات الكاتب

نانسي القاروط

معالجة نفسية ورئيسة قسم علم النفس التربوي في مركز «نفسانيون».