«الانعزالية»… مصطلح سياسي يبحث عن تاريخ

«ليس كل وصف يتكرر في السياسة يصبح حقيقة في التاريخ، فالتاريخ لا يُكتب بكثرة الترداد، بل بوزن الوقائع».

في إحدى المقابلات التلفزيونية، كرر أحد السياسيين اللبنانيين، وهو يستعرض قراءته لبعض المحطات التاريخية، وصف فئات أخرى من اللبنانيين بـ«الانعزاليين»، ولم يكن لافتاً في حديثه إلا الإصرار على تقديم هذا الوصف وكأنه حقيقة تاريخية راسخة، لا مجرد توصيف سياسي قابل للنقاش.

في هذا السياق، تتكرر في الخطاب السياسي اللبناني، على نحو لافت، كلمة «الانعزالية»، وكأنها توصيف تاريخي ثابت لفئات أو تيارات أو مكونات لبنانية. غير أن الإشكال في هذا الاستعمال لا يكمن في حرية التعبير أو في حق الاختلاف السياسي، بل في تحويل مفهوم نظري إلى تهمة جاهزة، تُستعمل خارج سياقها العلمي والتاريخي، فتفقد معناها الدقيق وتتحول إلى أداة في السجال. فالسياسة بطبيعتها مجال للصراع والتباين في الرؤى، أما التاريخ فمجال للدقة والتمحيص. وعندما تُنقل المفاهيم من حقلها النظري إلى حلبة الصراع السياسي، تصبح عرضة للتشويه، ويغدو الماضي مادة لإنتاج الخصومة لا لفهمها. ومن هنا، يبرز السؤال الجوهري: ما الذي نعنيه بالانعزالية أصلاً؟ وهل يمكن، وفق المعايير العلمية للمفاهيم السياسية والاجتماعية، أن يُنسب هذا الوصف إلى لبنان أو إلى أي من مكوناته عبر تاريخه الطويل؟

في الاستخدام الدقيق للمصطلح، لا تعني الانعزالية مجرد تبني سياسات سيادية أو رفض تحالفات إقليمية أو حتى اختيار الحياد. فهذه كلها خيارات تدخل في نطاق السياسة الطبيعية للدول والمجتمعات. أما الانعزالية، فهي في جوهرها مشروع يقوم على الانقطاع المنهجي عن العالم، ورفض التفاعل معه على المستويات الاقتصادية والثقافية والسياسية، بما يعني بناء كيان منغلق على ذاته، لا يتبادل التأثير مع محيطه ولا يتفاعل معه. وبهذا المعنى، يصبح اختبار المفهوم تاريخياً أمراً ضرورياً: هل عرف لبنان، في أي مرحلة من مراحله، هذا النمط من الانغلاق؟ الجواب الذي تقدمه الوقائع، إذا قرئت خارج منطق السجال، يميل بوضوح إلى النفي.

فالجغرافيا اللبنانية، منذ البداية، لم تكن قابلة للانغلاق. نحن أمام شريط ضيق يتوسط البحر من جهة، والجبل من جهة أخرى، ويقع على تقاطع طرق تاريخية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا. هذه الجغرافيا لم تجعل من لبنان جزيرة معزولة، بل جعلته ممراً دائماً للحضارات، ونقطة التقاء للتجارة والثقافات والأفكار. ولذلك، فإن الانفتاح هنا ليس مجرد خيار سياسي، بل نتيجة بنيوية فرضها المكان نفسه، بحيث يصبح الحديث عن انعزال لبنان أقرب إلى التناقض المفهومي منه إلى الوصف التاريخي.

هذا ما يفسر أيضاً التجربة الفينيقية التي ارتبطت تاريخياً بالساحل اللبناني. فمدن مثل صور وصيدا وجبيل لم تكن كيانات منغلقة، بل مراكز بحرية وتجارية نشطة، انخرطت في شبكة واسعة من التبادل عبر البحر المتوسط. وقد نقلت هذه المدن الأبجدية والتجارة والمعرفة إلى فضاءات بعيدة، وأسست لعلاقات متداخلة مع محيطها الإقليمي، كما تشير إليه الأدبيات التاريخية الكلاسيكية، ومنها دراسات فيليب حتي في تاريخ الشرق الأدنى. وفي هذا السياق، تظهر صورة مجتمع منفتح بطبيعته على العالم، لا منغلق عليه.

وإذا انتقلنا إلى مراحل لاحقة من التاريخ، نجد أن فكرة الانعزال لا تزداد رسوخاً، بل تزداد هشاشة أمام الوقائع. فحتى عندما لجأت جماعات لبنانية مختلفة إلى الجبل في فترات تاريخية معينة، فإن هذا اللجوء لم يكن خياراً حضارياً يقوم على الانغلاق، بل كان في الغالب استجابة لظروف أمنية وسياسية قاسية. ففي مراحل من العهد المملوكي وما تلاه، دفعت الاضطرابات والحملات العسكرية جماعات من المسيحيين والدروز والشيعة إلى الاحتماء بالمناطق الجبلية. وكان ذلك انكفاءً دفاعياً يهدف إلى حماية الوجود، لا مشروعاً يقوم على رفض التفاعل مع العالم.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الانكفاء كاستجابة ظرفية، وبين الانعزالية كمشروع فكري دائم. فالأول مرتبط بالضرورة، والثاني مرتبط بالاختيار الحضاري. والخلط بينهما يؤدي إلى قراءة مشوهة للتاريخ.

وفي السياق نفسه، تكشف التجربة الثقافية اللبنانية عن نمط واضح من الانفتاح المتواصل. فالكنيسة المارونية، بوصفها جزءاً من الكنيسة الكاثوليكية، حافظت على روابطها مع روما، وأسست في القرن السادس عشر المدرسة المارونية هناك، وأسهم علماؤها في الحركة الفكرية العربية الحديثة، فكانوا جزءاً من مسار تفاعلي بين الشرق والغرب. وفي المقابل، لعب الأرثوذكس المشارقة دوراً بارزاً في الترجمة والإدارة والنهضة الفكرية في المشرق العربي، بما يعكس موقعاً وسيطاً بين الثقافات، لا موقع الانغلاق داخل حدود ضيقة.

أما في العصر الحديث، فقد برز لبنان بوصفه فضاءً مفتوحاً على التيارات الفكرية والسياسية كافة. فقد احتضن القومية العربية والليبرالية والاشتراكية والتيارات الدينية المختلفة، كما انخرط أبناؤه، من مختلف الطوائف، في قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وقد يختلف اللبنانيون في تقييم هذه الخيارات، لكن مجرد وجود هذا التنوع والانخراط الإقليمي ينفي فكرة الانغلاق كمبدأ.

ولا يقتصر الأمر على النخب أو القوى السياسية، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية نفسها. فالهجرة اللبنانية إلى مختلف القارات لم تكن مجرد حركة اقتصادية، بل شكلت نمطاً من الحضور العالمي المستمر. فالجاليات اللبنانية المنتشرة في العالم لم تنفصل عن محيطها، بل أسهمت في اقتصاده وثقافته وسياساته، مع الحفاظ على روابطها مع الوطن الأم. وهذا النمط من الاندماج العابر للحدود يناقض، في جوهره، فكرة الانعزال.

كما أن المدن اللبنانية، وفي مقدمتها بيروت، لعبت دوراً محورياً في إنتاج هذا الانفتاح. فقد تحولت بيروت، منذ القرن التاسع عشر، إلى مركز للصحافة والنشر والتعليم في المشرق، وإلى نقطة التقاء للنخب الفكرية العربية. وأسهمت مؤسساتها التعليمية الكبرى، مثل الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اليسوعية، في تشكيل فضاء معرفي إقليمي تجاوز الحدود الوطنية، فكانت المدينة فضاءً لتداول الأفكار لا لإغلاقها.

وعند النظر إلى مجمل هذه العناصر، من الجغرافيا إلى التاريخ، ومن البنية الاجتماعية إلى الثقافة السياسية، يتضح أن ما يوصف بالانعزالية لا يجد له سنداً مستقراً في التجربة اللبنانية. بل على العكس، يظهر لبنان كفضاء تفاعل مستمر، تتقاطع فيه الهجرات والتجارة والثقافات، وتتشكل فيه الهوية من التعدد لا من الانغلاق. وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كانت الوقائع لا تدعم هذا الوصف، فلماذا شاع استعماله إلى هذا الحد في الخطاب السياسي؟

الجواب أن المجتمعات المنقسمة حول هويتها تميل إلى تحويل المفاهيم إلى أدوات صراع رمزي. فالمصطلحات لا تبقى في إطارها العلمي، بل تتحول إلى وسائل لتحديد الخصوم وإعادة إنتاج الانقسام. وهكذا، لا تعود «الانعزالية» مفهوماً تحليلياً، بل تصبح وسيلة لنزع الشرعية عن الآخر، وتصويره وكأنه خارج مسار التاريخ أو خارج الإجماع الوطني. ومن هنا، فإن كثرة استخدام المصطلح لا تعكس وجوده بقدر ما تعكس حدة الاستقطاب السياسي. ولو أُخضع هذا المفهوم لميزان التحليل التاريخي الصارم، لظهر أن عناصره غير متوافرة في التجربة اللبنانية. فلا نجد مشروعاً سياسياً أو اجتماعياً يقوم على الانقطاع عن العالم، ولا بنية تاريخية مغلقة على ذاتها، ولا تجربة ثقافية ترفض التفاعل مع محيطها. بل نجد، على العكس، تاريخاً طويلاً من التفاعل والانفتاح والوساطة بين العوالم.

ومن ثم، فإن الخلاف اللبناني لم يكن يوماً بين انفتاح وانغلاق، بل بين اتجاهات مختلفة داخل الانفتاح نفسه. بين من يرى أن موقع لبنان الطبيعي في الشرق، ومن يراه في الغرب، ومن يحاول التوفيق بين الاثنين. لكن أحداً لم يجعل من العزلة مشروعاً أو خياراً حضارياً. إن خلاصة هذا النقاش، إذا ما جرى التعامل معه خارج منطق السجال، بسيطة وواضحة: الانعزالية، في السياق اللبناني، ليست حقيقة تاريخية، بل مفهوم سياسي جرى توسيعه خارج حدوده العلمية. أما لبنان، في تكوينه التاريخي والجغرافي والثقافي، فقد نشأ وتطور بوصفه فضاءً مفتوحاً على التفاعل، لا كياناً منغلقاً على ذاته، وظلّ، عبر مختلف مراحله، مساحة لقاء أكثر منه مساحة فصل، وجسراً بين العوالم أكثر منه جداراً بينها.

مقالات الكاتب

جان نمّور

محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.

يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.