لم تكن أزمة الإنسان المعاصر يومًا في غياب المعلومات، بل أصبحت في وفرتها. ففي عالم تتدفق فيه الأخبار والتحليلات بلا توقف، لم يعد التحدي هو الوصول إلى المعلومة، بل القدرة على التمييز بين ما يكشف الحقيقة وما يحجبها خلف طبقات من الضجيج. فالإغراق بالمعلومات لا يؤدي بالضرورة إلى مزيد من المعرفة، بل قد يجعل الإنسان عاجزًا عن التمييز بين الوقائع والتفسيرات، وبين الخبر والرأي. وعندما تصبح كل الأحداث عاجلة وكل الآراء متساوية في الحضور، يصبح الفرد أكثر استعدادًا لتبني الرواية الأكثر انتشارًا لا الرواية الأكثر صحة.
لقد انتقلت السيطرة على الوعي من منع المعلومات إلى التحكم بطريقة عرضها، واختيار ما يُبرز منها وما يُهمّش، والإطار الذي تُفهم من خلاله. فالمعركة لم تعد فقط على امتلاك الحقيقة، بل على امتلاك القدرة على صياغة الرواية التي تمنح هذه الحقيقة معناها. فالإنسان لا يرى الواقع مجردًا، بل من خلال المعاني التي تُمنح له. وحين تتكرر رواية معينة وتُدعّم بالصور والانفعالات، فإنها قد تتحول تدريجيًا إلى حقيقة ذهنية يصعب مساءلتها. وهنا تكمن خطورة السرديات الجاهزة؛ فهي لا تمنع الإنسان من التفكير، لكنها قد تحدد له مسبقًا المساحة التي يفكر داخلها.
ولعل الجدل الذي أُثير حول عدم مرافقة وزير الخارجية يوسف رجي لرئيس الجمهورية في إحدى زياراته الخارجية يكشف هذه الظاهرة بوضوح. فما إن وقع الحدث حتى بدأت محاولات استخراج دلالات سياسية من غياب الوزير، وكأن الواقعة وحدها لا تكفي، بل لا بد من بناء رواية كاملة حولها.
غير أن الإنصاف يقتضي العودة إلى الوقائع لا إلى التأويلات. فالوزير يوسف رجي يتمتع بخبرة دبلوماسية وإدارية واسعة، وقد ارتبط أداؤه في وزارة الخارجية بمحاولات لتنظيم العمل الإداري، وتحسين آليات إنجاز المعاملات، ومتابعة ملفات المصادقات والتشكيلات الدبلوماسية والقنصلية، والعمل على ترشيد النفقات وتعزيز فعالية الخدمات.
كما أن مسيرته تظهر أنه يمارس صلاحياته انطلاقًا من قناعة مهنية واستقلالية في اتخاذ القرار. وقد يختلف البعض مع خياراته أو يتفق معها، لكن تقييم أي مسؤول يجب أن يقوم على أدائه وقراراته ونتائج أعماله، لا على الإشارات الرمزية أو القراءات التي تُبنى على حضور أو غياب في مناسبة معينة.
ومن الطبيعي أن يكون وجود وزير بهذه الخبرة إلى جانب رئيس الجمهورية في زيارة خارجية قيمة مضافة، نظرًا إلى معرفته بالملفات الدبلوماسية وخبرته في العلاقات الدولية. إلا أن عدم مرافقته لا يمكن أن يتحول، بحد ذاته، إلى أساس لبناء استنتاجات سياسية واسعة، لأن تشكيل الوفود الرسمية يخضع لاعتبارات متعددة ترتبط بطبيعة الزيارة والملفات المطروحة. ففي الأنظمة الديمقراطية، لا يشكل حضور وزير الخارجية في كل زيارة خارجية قاعدة ثابتة أو معيارًا وحيدًا لتقييم دوره أو موقعه. وحتى في دول كبرى، لا يرافق وزير الخارجية رئيس الدولة في جميع أسفاره، إذ تحدد طبيعة المهمة وتركيبة الوفد وفق الأهداف السياسية والدبلوماسية للزيارة. وبالتالي، فإن اختزال غياب الوزير في إشارة سياسية يبقى قراءة تتجاوز المعطيات المتاحة.
ولا تقتصر مشكلة السرديات على الحاضر، بل تمتد أيضًا إلى قراءة التاريخ. فقد شهدنا عقب تطويب البطريرك الياس الحويّك نقاشًا أعاد التشكيك في فكرة لبنان الكبير، وكأن قرارات عام 1920 يمكن محاكمتها بمعايير الحاضر لا بظروف المرحلة التي أنتجتها. إن المنهج التاريخي يفرض العودة إلى ظروف تلك المرحلة: انهيار الدولة العثمانية، إعادة رسم خريطة المشرق، تقرير لجنة كينغ-كراين، والخيارات التي كانت متاحة آنذاك.
فالسؤال التاريخي ليس فقط: هل كان لبنان الكبير الخيار المثالي؟ بل: ما هي البدائل الواقعية التي كانت موجودة في ذلك الزمن؟ هل كان البديل دولة جبل لبنان بحدودها الضيقة؟ أم كيانًا اتحاديًا ضمن سوريا؟ أم صيغة أخرى؟ إن الحكم على الشخصيات التاريخية لا يكون انطلاقًا من النتائج التي نعرفها اليوم، بل من الظروف التي أحاطت بها لحظة اتخاذ القرار. فالتاريخ لا يُكتب بمنطق النتائج فقط، بل بمنطق الخيارات الممكنة في زمنها.
ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: هل إن نقد الأساس التاريخي للبنان الكبير، من قبل من يدافعون عن تعزيز الخصوصيات المحلية أو صيغ أكثر لامركزية، ينسجم فعلًا مع منطق هذا الطرح؟ أم أن الفهم العميق لتجربة لبنان الكبير قد يكون المدخل الأكثر عقلانية لأي نقاش حول مستقبل الدولة؟
إن أخطر ما في السرديات الجاهزة أنها تمنح الإنسان شعورًا باليقين دون أن تطالبه بعناء البحث. فهي لا تمنعه من التفكير بالقوة، لكنها تعفيه من مشقة التفكير، لأنها تقدم تفسيرًا جاهزًا قبل أن تمنحه فرصة طرح السؤال. غير أن مسؤولية صناعة الوهم لا تقع فقط على من ينتج السرديات، بل أيضًا على من يقبل استهلاكها دون مساءلة. فالعقل النقدي لا يبدأ برفض كل ما يُقال، ولا بقبول كل ما يُقدم، بل بالقدرة على السؤال والمقارنة والتمييز.
لذلك فإن الأمانة العلمية تفرض منهجًا مختلفًا: الفصل بين الوقائع والتفسيرات، وبين الخبر والرأي، وبين التاريخ كما كان والتاريخ كما نريد أن يكون. فالدفاع عن الحقيقة لا يعني الدفاع عن الأشخاص، كما أن نقد السرديات لا يعني تبرئة أحد، بل يعني أن يكون الدليل سابقًا على الحكم، وأن يكون الواقع سابقًا على الرواية. فالمجتمعات لا تنهض عندما تنتصر سردية على أخرى، بل عندما يصبح العقل قادرًا على مساءلة جميع السرديات. فالحرية الحقيقية ليست فقط في حرية التعبير، بل في حرية التفكير.
وفي النهاية، فإن المعركة الأساسية ليست بين رأي ورأي، ولا بين فريق وفريق، بل بين منهجين: منهج يكتفي باستهلاك ما يُقدَّم له، ومنهج يبحث ويسأل ويقارن ويدقق، فالأمم التي تفكر هي التي تصنع تاريخها، أما الأمم التي تكتفي باستهلاك الروايات، فإنها تتحول إلى مادة في روايات يكتبها الآخرون.

جان نمّور
محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.
يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.
