لم تكن المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد فصل جديد من فصول الصراع في الشرق الأوسط، بل قد تكون، إذا ما قُرئت في سياقها التاريخي الأوسع، إحدى اللحظات الكاشفة عن انتقال النظام الدولي إلى مرحلة مختلفة كلياً. فالحروب الكبرى لا تغيّر خرائط النفوذ فحسب، بل تعيد تعريف مفاهيم القوة والتحالف والردع، وتُسقط في كثير من الأحيان المسلمات التي حكمت العلاقات الدولية لعقود طويلة.
لقد عرف العالم، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، نظاماً ثنائياً حكمته المنافسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، حيث انقسم العالم إلى معسكرين متواجهين يمتلك كل منهما أدوات الردع العسكري والسياسي والاقتصادي. وقد قام هذا النظام على توازن الخوف بقدر ما قام على توازن المصالح، ما جعله مستقراً ظاهرياً لكنه هش في بنيته العميقة. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، بدا وكأن التاريخ قد حُسم لصالح الأحادية الأميركية، حتى شاع الاعتقاد بأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرناً أميركياً بامتياز، وأن الولايات المتحدة أصبحت القوة القادرة وحدها على صياغة النظام الدولي وإدارة أزماته. غير أن هذا التصور كان أقرب إلى توصيف لحظة تفوق منه إلى تأسيس نظام مستقر قابل للاستمرار.
غير أن العقود الثلاثة الأخيرة، ولا سيما سلسلة الحروب الممتدة من أفغانستان والعراق وصولاً إلى أوكرانيا والشرق الأوسط، كشفت أن مرحلة الأحادية نفسها بدأت تتآكل تدريجياً. فالقوة الأميركية، رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، لم تعد قادرة على إنتاج نظام دولي مستقر أو حسم نزاعات معقدة وفق منطق الهيمنة التقليدية. وما يتشكل اليوم لا يبدو انتقالاً إلى تعددية قطبية كلاسيكية، بل إلى بنية أكثر تعقيداً تقوم على محاور إقليمية مرنة وتحالفات متغيرة تتبدل وفق الملفات لا وفق الاصطفافات الثابتة.
وفي هذا السياق، تتبلور تكتلات إقليمية جديدة تحكمها اعتبارات الأمن والمصالح الاقتصادية والهوية السياسية أكثر مما تحكمها الانقسامات التقليدية بين الشرق والغرب. فالعلاقات الدولية باتت أقرب إلى شبكة متداخلة من التفاهمات الجزئية، حيث يمكن للدول أن تتقارب في ملف وتتنافس في آخر من دون أن يعني ذلك انتقالاً كاملاً بين المعسكرات. ومن بين أبرز المؤشرات على ذلك الحديث عن تقاطعات بين السعودية وتركيا وباكستان في بعض الملفات الأمنية والاستراتيجية، يقابلها تنامٍ في الشراكات بين إسرائيل والإمارات والهند في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والاقتصاد، في مشهد يعكس إعادة توزيع مرنة لمراكز النفوذ.
ولا يقتصر هذا التحول على الجغرافيا السياسية، بل يمتد إلى مفهوم القوة ذاته. فبعد أن كان الردع النووي والصواريخ الباليستية يشكلان العمود الفقري للقوة الدولية، أصبحت أدوات مثل المسيّرات، والحرب السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاستطلاع الدقيقة، عناصر حاسمة في تحديد موازين الصراع. وقد أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية بوضوح أن التفوق العسكري التقليدي لم يعد كافياً لحسم الحروب أو منع الاستنزاف الطويل، وأن التكنولوجيا والدعم الاستخباراتي والمرونة العملياتية باتت عناصر لا تقل أهمية عن حجم الترسانة العسكرية. ومن ثم، لم يعد مفهوم القوة مقتصراً على القدرة على التدمير أو الردع، بل أصبح يرتبط بالمعرفة والبيانات وسلاسل الإمداد والابتكار التكنولوجي. وهي عناصر تمنح حتى الدول المتوسطة قدرة على التأثير تتجاوز أحياناً ما تتيحه القوة العسكرية التقليدية للقوى الكبرى.
وفي موازاة هذا التحول، تبدو المؤسسات الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية أقل قدرة على مواكبة التحولات الجارية. فمجلس الأمن يعكس في كثير من الأحيان توازنات جامدة أكثر مما يعكس قدرة فعلية على إدارة الأزمات، والأمم المتحدة تبدو أقرب إلى إطار لمراقبة النزاعات منه إلى أداة فعالة لحلها، فيما تواجه المنظمات الدولية تحدياً متزايداً في فرض قواعد النظام الذي أُنشئت لحمايته. وهذا لا يعني انهيار النظام المؤسسي الدولي، بقدر ما يعكس تراجع فعاليته أمام عالم تغيّرت فيه طبيعة القوة ومصادرها.
وتبرز الحرب بين إسرائيل وحزب الله بوصفها نموذجاً معبّراً عن هذا النمط الجديد من الصراعات. فهي لم تعد مواجهة تقليدية ذات نتائج حاسمة، بل جزءاً من شبكة أوسع من التوازنات الإقليمية والدولية التي تتقاطع فيها الاعتبارات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والتحالفات السياسية. وبذلك تصبح الجغرافيا ساحة لإعادة إنتاج النظام الدولي، لا مجرد إطار له. ومن هذا المنظور، لم تعد نتائج الحروب تُقاس بحجم الخسائر أو عدد المواقع، بل بقدرتها على إعادة تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية للدول. فالدولة التي تفقد قدرتها الإنتاجية، وتزداد تبعيتها للتمويل الخارجي، وتتراجع قدرتها على جذب الاستثمارات، تصبح أكثر هشاشة وأقل قدرة على ممارسة سيادتها الفعلية، وقد تجد نفسها مندمجة تدريجياً في ترتيبات إقليمية تُفرض عليها بميزان القوة.
وفي حال انطبقت هذه الديناميات على لبنان، فإن التحدي لا يقتصر على إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل يمتد إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة الاقتصادية ذاته. فالمسألة لم تعد تقنية أو مالية، بل سياسية بامتياز، تتعلق بقدرة الدولة على الحفاظ على استقلالية قرارها الاقتصادي. وفي المقابل، تتحرك الدولة اللبنانية ضمن هامش ضيق، محكومة ببيئة إقليمية ودولية معقدة، تجعل إدارة الأزمة عملية شديدة الصعوبة ومحدودة الأثر.
وهكذا يتضح أن الحروب لم تعد أحداثاً منفصلة، بل أصبحت حلقات في مسار أوسع يعيد تشكيل الدول من الداخل بقدر ما يعيد رسم موازين القوى من الخارج.
ولعلّ السؤال الحقيقي اليوم ليس: من انتصر في المواجهات الأخيرة؟ بل: من سيكون المستفيد الأكبر من إعادة تشكيل النظام الدولي؟ وليس أهم ما تكشفه الحروب هو هوية المتحاربين أو المنتصرين، بل هوية المستفيد النهائي منها. فمنذ الحروب البونيقية مروراً بالحربين العالميتين وصولاً إلى النزاعات المعاصرة، كثيراً ما خرج المنتصر مثقلاً بأعباء الاستنزاف، بينما صعد لاعب ثالث لم يكن طرفاً مباشراً في المواجهة، لكنه أحسن استثمار نتائجها وإعادة توجيهها.
فالحروب لا تعيد رسم الخرائط فقط، بل تعيد توزيع الثروة والتكنولوجيا والأسواق ومراكز القرار. وهذه هي السمة الأعمق للمرحلة الراهنة؛ إذ يعيش العالم مخاض ولادة نظام دولي جديد لم تتحدد ملامحه النهائية بعد، وإن كانت خطوطه العامة بدأت تتشكل بوضوح. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون على كسب معركة بعينها، بل على القدرة على هندسة النظام الذي سيليها. فالتاريخ لا يخلّد الانتصارات العسكرية بقدر ما يخلّد من ينجح في تحويل نتائجها إلى نظام جديد. وما نشهده اليوم ليس مجرد أزمات متفرقة، بل انتقال تاريخي من عالم كانت فيه الحروب تحسم شكل النظام الدولي، إلى عالم أصبحت فيه جزءاً من عملية إعادة تشكيله.
وفي نهاية المطاف، يتجه العالم نحو بنية دولية جديدة، تتراجع فيها القطبية الصلبة لصالح المحاور المرنة، وتصبح فيها القوة نتاج تفاعل معقد بين التكنولوجيا والاقتصاد والمعرفة، بقدر ما هي نتاج القوة العسكرية. وفي هذا العالم، لن يكون السؤال الحاسم من ربح الحرب، بل من نجح في كتابة العالم الذي سيأتي بعدها.

جان نمّور
محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.
يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.
