إن مفهوم الوطنية، بكل مندرجاته، عند الساسة اللبنانيين ورجال الدين المسيحيين والمسلمين، يشوبه الانقسام والالتباس، في المفهوم والممارسة. وبات معلوماً أن هناك علاقة أكثر من جدلية بين الأداء السياسي العلماني والأداء الديني. ومع أننا نتفهّم التحديات التي تواجه كلا الطرفين، سواء أكانت من الأتباع أو من الدول الإقليمية أو الدولية، فإن أداءهما بات أقرب إلى الضعف والتهرّب من المسؤولية، مما هو أقرب إلى العدالة واستمرارية السيادة الوطنية المكرّسة دستورياً.
وبالرغم من التدخلات المحلية المتحررة والإقليمية والدولية، فإن كل ذلك لم يثنِ هؤلاء عن التكيّف والتهرّب من المسؤولية الحاسمة في ضبط الأمور، متحججين بـ«الحرب الأهلية، وعدم القدرة على ضبط الأمور سياسياً وأمنياً». وكلها حجج واهية تحكمها الانقسامات وعدم توحيد الرؤى. إن التذرّع بهذه التحديات، واستمرار الأمور على ما هي عليه، والزعم بأن هذه التحديات مؤامرة على النظام السياسي تتطلّب الالتفاف حوله لمواجهة كل طارئ، جميعها أعذار واهية، ووطن كهذا سينهار حكماً.
مفهوم الوطنية الملتبس عند الساسة بدأ منذ أن اختلفوا على نوعية الحضارة اللبنانية وعلى الجغرافيا اللبنانية، وهو صراع عميق نشأ منذ أن استخدم ساسة الأمر الواقع مصادر تاريخية تتناقض والحالة التاريخية اللبنانية، وتفسيرات لجغرافية لبنان. وهذا ما عرّفته بعض مراكز الأبحاث بالقول: «اللبنانيون يختلفون على تاريخهم ويوظفون المكان والزمان لخدمة مصالح معينة». إنهم ساسة غير موضوعيين وغير مهنيين في كتابة التاريخ اللبناني وأصول جغرافية لبنان، وأغلب الظن أن الكتابة غالباً ما كانت «محرّفة، مزوّرة، وتشوبها التعمية».
مفهوم الانتماء للوطن «معكّر»، على ما يقوله كبار القوم. وفي التحديد الرسمي، يُعدّ مفهوم الانتماء الوطني من المفاهيم السياسية الدستورية المهمة في علم السياسة. والانتماء للوطن هو الانتساب الحقيقي إلى لبنان، فكراً ووجداناً، والمحافظة على سيادته، والولاء المطلق له من خلال الالتزام بالدستور والقوانين المرعية الإجراء، والثبات في منهجية وطنية ديمقراطية، والتفاعل مع احتياجات الوطن. وتظهر هذه التفاعلات من خلال محبة المواطن لوطنه، والاعتزاز بالانتماء إليه، والتضحية من أجله. والمؤسف أن مفهوم الانتماء للوطن عند السياسيين اللبنانيين يتمحور حول تغليب مصالح دول على المصلحة الوطنية، وغالباً ما ارتبطت الولاءات بالتدخلات الخارجية التي أدت إلى إضعاف هيبة الدولة وعرقلة الاستحقاقات السياسية والدستورية، كما إلى تكريس سياسة المحاصصة. والواقع اليوم هو خير دليل على ما يعيشه الشعب اللبناني.
مفهوم المواطنة نقيض منطق الاستبداد السياسي. والظاهر أن الشعب اللبناني يعاني من كثرة المشاكل والتواكل والجهل، أي ما يمكن تسميته «الطبقة المضلَّلة». فمواطن اليوم غير مرتبط بالدولة، وصاحب مفهوم واهٍ، محكوم بالتضليل الفكري العقائدي الأصولي تحت عنوان الموت والقتل والدمار. لذا، إن الشعب اللبناني توّاق إلى مفهوم المواطنة الصادقة، المساهمة في تحقيق التقدم الحضاري للمجتمع اللبناني، وتعزيز قيم الديمقراطية، وفهم الحقوق والواجبات، والالتزام والولاء الوطني الصرف، والاعتراف بالتنوّع بين أفراد المجتمع، بما يعزّز ممارسة قيم المواطنة.
مفهوم الوطنية عند الساسة ملتبس على صعيد المصلحة الوطنية العليا. ومن الطبيعي، وفق علم السياسة، أن المصلحة الوطنية لأي دولة تعني حصراً المصالح الأساسية للدولة، التي تُعدّ ضرورية جداً لحماية الأمن الوطني والسيادة والاستقرار والديمقراطية السليمة والحياد عن الصراعات. أما مفهوم الوطنية في لبنان، فيرتكز على:
أ – التخلّف السياسي،
ب – ضياع المصلحة الوطنية العليا،
ج – عدم قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها وواجباتها في مواجهة أي صراع أو تدخل في شؤونها،
د – تبنّي الدولة سياسة المحاور، مما أدى إلى زعزعة الاستقرار.
مفهوم السيادة الوطنية ونحرها من قبل ساسة الأمر الواقع؛ فوفق منطق العلم السياسي، السيادة الوطنية هي قدرة الدولة على إدارة شؤونها داخلياً وخارجياً باستقلالية تامة. لكن هذا المفهوم العلمي في الجمهورية اللبنانية ملتبس ومعقّد، حيث تآكلت الحدود اللبنانية، وتدفق السلاح بفعل التداخل الإقليمي والسلاح الوافد المخالف للسيادة الوطنية، وظهرت ميليشيا عسكرية مغزّاة فكرياً وعقائدياً ومالياً وعسكرياً، فرضت قيوداً على سيادة الجمهورية اللبنانية. إن المفهوم العلمي للسيادة الوطنية يكمن في حصرية القرار السيادي بالدولة وحدها، وإبقاء قرار السلم والحرب وإدارة العلاقات الخارجية بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية وحدها، ضماناً لوحدة الموقف الوطني.
مفهوم الوطنية في مقاربة الاتفاقات الحاصلة يبيّن أن الإدارة السياسية اللبنانية تفتقر إلى نهج دبلوماسي يفسّر الاتفاقات الحاصلة كنتيجة مباشرة لموازين القوى والمصالح الوطنية البحتة، وليس بناءً على عنتريات، كما هو حاصل اليوم، أو اعتماد التزييف والمبالغة والانطلاق من معطيات وهمية. المطلوب اليوم من النظام السياسي، أي رئيس الجمهورية ومستشاريه، ورئيس الحكومة والوزراء والمستشارين، واقعية سياسية ضمن إطار مفاهيمي تواجه الوقائع على الأرض. وعلى هذا النظام قراءة الأحداث بتمعّن: واقع الطائفة الشيعية الكريمة، تغييب القرار السنّي القوي، تغييب المسيحيين المتنورين، الانكفاء الدرزي، التصادم مع المجتمعين العربي والدولي، والعقوبات المتدحرجة التي تطال أغلبية الساسة.
مفهوم الوطنية عند الساسة يشوبه غياب الالتزام الصادق والحر. وبالتالي، عليهم سلوك واقعية سياسية متنورة تخدم الأمن القومي اللبناني بكل مندرجاته. إن الصمت، والتردد، والتواطؤ، والتذرّع بالحرب الأهلية، كلها مجرد قناع للاستسلام والتهرّب من المسؤولية. الدبلوماسية لا تفهم إلا لغة الحق، ومن أراد لبنان سيداً حراً مستقلاً، عليه أن يتحدث بلغة الدبلوماسية، التي هي نقيض مفهوم الوطنية الملتبس عند الساسة اللبنانيين.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
