أسباب الفشل المتمادي للنظام السياسي اللبناني

أحداث ومواقف وأسئلة، بكل خلفياتها وإيجابياتها وسلبياتها، تفضي إلى التساؤل عن الوضع اللبناني ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وخصوصاً عن الوضع الراهن والخطير الذي تمر به الجمهورية. وليس من الصواب التشكيك في أن الأداء السياسي، على مدى السنوات الماضية، لم يسلم من تراكم الأخطاء القاتلة التي ارتكبها النظام السياسي اللبناني، بكل تفرعاته، والتي شكّلت السبب الجوهري للأزمات الكثيرة والمتكاثرة، والتي بلغت، في المرحلة الراهنة، درجة عالية من الخطورة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

ومن المفيد جداً، على مستوى مراكز الأبحاث، التركيز على أداء النظام السياسي الحالي، بوصفه المثال الأبرز على الأزمة التي يتعرض لها، وعلى السؤال الجوهري الذي يطرحه المتابعون العرب والدوليون: لماذا هذا النظام مقيّد؟ ومن الذي يقيّده؟ ولماذا يصر على التلطّي وراء شعارات فارغة، وممارسة حالة من الجبن في المواجهة؟ ولا سيما إذا ما أدركنا، في مركز أبحاث PEAC وبعض مراكز الأبحاث العربية والدولية، أن الأجوبة تتعلق بطبيعة المعرفة والاستراتيجية الفكرية لدى الذين يمارسون السلطة، والذين يمارسها معظمهم نتيجة تسويات معينة. ولا يمكن، في الأساس، الحديث عن فكر سياسي حقيقي في ظل سلطة تُمارَس بطريقة عشوائية تتسم بالخوف والعمالة. والنتيجة أن هذا النظام المشار إليه هو «مجرد مسخ عديم الفائدة، لا يرقى في معناه إلى أي هرمية فكرية منتجة؛ ومثل هذا النظام لا يؤدي سوى وظيفة واحدة، تتمثل في أن يكون خادماً ومطواعاً لأنظمة أخرى، ومجرد أداة في يد الغير».

تعمل دول ومؤسسات إنسانية وعواصم قرار ومراكز أبحاث على محو آثار جميع الأمور التي يتلطّى بها هذا النظام السياسي. ويبدو أن هذا النظام فشل في مواكبة جميع المساعي المطروحة من أجل إعادته إلى موقعه الطبيعي بين الدول، على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. علماً أن المساعي المبذولة تهدف إلى أن يكون النظام السياسي اللبناني صاحب معيار قوة، أي نظاماً مبنياً على الأسس الديمقراطية، ومستنداً إلى الاستقلال التام والناجز؛ قولاً وفعلاً، وإلى سيادة مصونة محلياً وإقليمياً ودولياً.

ومن المهم، بالنسبة إلينا في مركز أبحاث PEAC، أن نشير، بشكل موضوعي وعلمي ومتحرر، إلى أن القرارات الأممية والمساعي العربية، وما يتخللها من زيارات لمسؤولين عرب ودوليين، تلامس جوهر الحل المتمثل في إحداث تغيير في الأداء السياسي. لكن طبيعة هذا النظام، وللأسف، لم تلامس حتى الآن جوهر الحل، ولم تؤسس للأمن المحلي والإقليمي والدولي، بل بقي هذا النظام يعرّض السيادة للانتهاك، والمؤسسات الرسمية للانهيار الممنهج، حتى بات نظاماً ساقطاً لا يستطيع النهوض أو ضمان الاستمرارية.

استناداً إلى علم السياسة، ثمة مؤشرات تدل على الفشل السياسي. ومن الملاحظ أن التطورات والمتغيرات التي تشهدها الساحة اللبنانية في المرحلة الراهنة أدت إلى الانتقال من مفهوم السيادة إلى مفهوم سيادة الفوضى والعمالة والإرهاب الفكري. وبالتالي، أصبح إنكار واجب المجتمعين العربي والدولي في حماية السيادة عيباً ترتكبه مجموعات مرتهنة للخارج، يواليها النظام السياسي ويتماهى مع مواقفها المناهضة للدستور والمواثيق الدولية.

ولنكن موضوعيين: إن أحد أبرز المفاهيم السياسية التي تفسر معنى عدم الاستقرار يتمثل في عدم قدرة النظام السياسي على التعامل بنجاح مع الأزمات التي تواجهه، وعدم قدرته على إدارة الأزمات القائمة على أرضه بطريقة تمكّنه من إبقائها ضمن دائرة يستطيع السيطرة عليها والتحكم فيها. ويصاحب ذلك استخدام العنف والفوضى والميليشيات من جهة، وتراجع شرعية النظام وكفاءته من جهة أخرى.

إن أسباب الفشل المتمادي للنظام السياسي اللبناني تعود إلى عدم قدرته على المحافظة على السيادة، مروراً بعجز المؤسسات والجهات الرسمية والسياسية والدينية، بما فيها رئاسة الجمهورية، والحكومة، ومجلس النواب، ورؤساء الأحزاب، والمؤسسات الرسمية المدنية والعسكرية، ورجال الدين المسيحيون والمسلمون، عن حصر قرار السلاح وقوة الدولة ورمزيتها بالمؤسسات الشرعية، إضافة إلى دور الانقسامات الداخلية في إضعاف القرار الوطني.

وقد جعل هذا الخلل السيادة الوطنية عرضة للتدخلات الخارجية ولتجاوز سلطة الدولة المركزية، ما أدى إلى احتلال القسم الأكبر من جنوب لبنان، وإلى تهديد ممنهج لبعض المناطق التي تتعرض لانتهاكات سيادية على أيدي ميليشيات تخالف قانون الأحزاب والجمعيات، وقانون الدفاع الوطني، ووثيقة الوفاق الوطني.

أما أسباب الفشل المتمادي للنظام السياسي اللبناني، فيمكن اختصار جوهرها في عجز هذا النظام الحاكم عن أداء وظيفته الأساسية، وعن حماية مصالح الدولة ومصالح المواطنين، ما أدى إلى تدهور الخدمات بكل تشعباتها، واستشراء الفساد، وضياع هيبة الدولة والقانون. وقد أنتج هذا الفشل خللاً ممنهجاً، وتقدمت بسببه المصالح الخاصة والحزبية على المصلحة العامة.

بالنسبة إلينا في المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية PEAC، تتطلب عملية الإنقاذ حكمة في قراءة الأمور، مقرونة بما يقتضيه علم السياسة، بما في ذلك إجراء تعديل وزاري طارئ يحمل حزمة من الإجراءات السريعة والعميقة، بهدف إعادة بناء الشرعية واستعادة القرار.

مقالات الكاتب

بسام ضو

كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC